ملاحظات أساسية حول فكرة السيطرة على قطاع غزة

تابعنا على:   16:15 2025-08-28

ماجد عزام

أمد/ عادت فكرة السيطرة على قطاع غزّة إلى جدول الأعمال السياسي والإعلامي في فلسطين والمنطقة مع الشعور بقرب انتهاء الحرب، حتّى مع قرار إسرائيل احتلال القطاع كلّه، علمًا أنها مسيطرة عملياتيًا وناريًا الآن على 75% منه على الأقلّ. إذ بدا لافتًا التخبط الإسرائيلي في مواجهة كرة لهب غزّة الساخنة، إذ يبدو الاحتلال الكامل بالمتناول عسكريًا، لكنه مكلّفٌ جدًا وضارًا وحتّى كارثيًا سياسيًا واقتصاديًا واستراتيجيًا، كما يقال في الإعلام العبري، خصوصًا مع ارتفاع منسوب التسونامي السياسي الدولي للاعتراف بالدولة الفلسطينية، وتمكين السلطة الرسمية (رام الله) المتجددة، بعد إصلاحها، من السيطرة وإدارة القطاع باعتباره جزءًا من الدولة  الفلسطينية، في ظلّ خطةٍ مصريةٍ عربيةٍ مدعومةٍ دوليًا تتضمن تولي لجنة تكنوقراط مستقلةٍ إدارة القطاع بمرجعية السلطة، إلى حين تمكن الأخيرة من حكمه، لكن للأسف، ومع هذا الجدل والنقاش كلّه حول قطاع غزّة وإدارتها والسيطرة عليه لا نزال نفتقد إلى رؤيةٍ فلسطينيةٍ وطنيةٍ موحدةٍ تجاه إنهاء الحرب واليوم التالي، بما في ذلك إدارة عمليات التعافي، وإعادة الإعمار ضمن أفقٍ سياسيٍ جادٍ ولا رجعة عنه نحو الدولة الفلسطينية.
بدايةً ومنهجيًا، لا بدّ من التذكير بأنّ قطاع غزّة مثّل تاريخيًا عقدةً أمام إسرائيل، مع اعتباره ثقبًا في الرأس، حسب تعبير رئيس الوزراء المؤسس دافيد بن غوريون، وتمنيه رؤيته القطاع يغرق في البحر، حسب رئيس الوزراء السابق إسحق رابين، نظرًا لصعوبة السيطرة الدائمة والتامة عليه، إذ احتاجت الدولة العبرية بعد حرب يونيو/حزيران 1967 إلى ثلاث سنواتٍ لتوهم فرض قبضتها عليه، رغم انتصارها على ثلاثة جيوشٍ عربيةٍ خلال ست ساعات لا ستة أيّام، ثم أطلق القطاع شرارة الانتفاضة الأولى 1987، التي أعادت الاعتبار للقضية الفلسطينية، بعد خروج منظّمة التحرير من بيروت 1982. كما كان للقطاع حضوره اللافت والمركزي في الانتفاضة الثانية، التي أكّدت استحالة تحويل اتّفاق أوسلو، على علاته، إلى اتّفاقٍ دائمٍ يتجاوز حقّ العشب الفلسطيني في الاستقلال وتقرير المصير.
من جهةٍ أخرى، كانت القناعة الإسرائيلية باستحالة الانسحاب التام من القطاع، لذا أعادت الانتشار حوله عام 2005، مع استمرار احتلال الحدود البرية والبحرية والجوية، من دون أن يعني ذلك امتلاك الشجاعة للتعاطي مع جذر القضية الفلسطينية وأصلها، مع ثبوت استحالة فصل القطاع عن الضفّة الغربية، أو حلّ القضية بتجاهل القطاع وإقصائه، حتّى في ظلّ الانقسام الفلسطيني السياسي والجغرافي المؤسف، وعجز الطبقة السياسية الفلسطينية عن إنهائه، فضلًا عن منع حصوله من الأساس.
بعد "طوفان الأقصى" اتخذت إسرائيل قرارًا واضحًا بإبادة غزّة، وإيقاع نكبةٍ جديدةٍ بها، كما قال الوزير أفي ديختر علنًا في بداية الحرب، وكررها منذ أيّامٍ الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) الجنرال أهارون هاليفا، والتأكيد على تعمّد قتل 50 فلسطينيًا مقابل كلّ قتيلٍ إسرائيليٍ في طوفان الأقصى، وهو ما يفسر العدد الكبير من الشهداء، الذين تجاوزوا حتّى الآن حدود 60 ألفًا، علماً أن 1200 إسرائيليٍ قتلوا في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
الشاهد هنا إنّه خلال عامين تقريبًا دمّرت إسرائيل قطاع غزّة بنسبةٍ تلامس 88%، حسب المكتب الإعلامي الحكومي، إذ أوقعت فعلاً نكبةً جديدةً فيه، مع ربع مليون شهيد وجريح على الأقلّ، في تطبيقٍ منهجيٍ لما قاله رئيس شعبة الاستخبارات عن النكبة، لجهة إيقاظ الفلسطينيين على الواقع بمعنى إخضاعهم ومنعهم من المقاومة المشروعة للاحتلال والتصدي لخططه ومشاريعه في غزّة والضفّة وفلسطين عامةً.
عمومًا؛ رغم التدمير المنهجي والواسع، وإيقاع نكبةٍ جديدةٍ بالقطاع، وإعادته سنواتٍ بل عقودًا إلى الوراء، لا تزال إسرائيل متخبطةً أمام معضلة غزّة، مع قرار إعادة احتلالها بالكامل، واستخدام مصطلح السيطرة عليه، للهروب من دلالات الاحتلال القانونية أساسًا، خصوصًا في السياق الدولي، فضلًا عن الكلفة الباهظة المقدرة بنحو عشرة مليارات شيكل كلفةً مباشرةً، و20 مليارًا بالمجمل، والشعور أن الاحتلال سيورط الدولة العبرية كلّها بالوحل الغزّي، ناهيك باليقين من عدم استسلام الشعب الفلسطيني للمستعمر، كما كان الحال دومًا. من هنا طرح بنيامين نتنياهو، رئيس الحكومة الأكثر تطرفًا بتاريخ الدولة، خطته القاضية بعدم الاحتلال الدائم، مع سيطرةٍ أمنيةٍ على محيطه، ونزع السلاح، وتشكيل لجنةٍ حكوميةٍ لإدارته، غير تابعةٍ لحركة حماس أو سلطة رام الله.
هنا لا بدّ من التأكيد على أن إسرائيل لا تملك الحقّ ولا الشرعية لتحديد من يحكم قطاع غزّة، باعتباره أرضًا فلسطينيةً، وقرار حكمه وإدارته يفترض أن يكون قرارًا وطنيًا خالصًا.
تزامن القرار الإسرائيلي بإعادة احتلال القطاع كلّه، ولو لأشهرٍ مع تسونامي سياسي دولي للاعتراف بالدولة الفلسطينية، ردًّا على الإبادة والنكبة المتعمدة، علمًا أن مؤتمر حلّ الدولتين الأخير، في مقر الأمم المتّحدة في مدينة نيويورك، تحدث صراحةً عن سيطرة السلطة الرسمية على قطاع غزّة، كونه جزءًا من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وعلى قاعدة نظامٍ واحدٍ وقانونٍ واحدٍ وسلاحٍ واحدٍ، ضمن مسارٍ وأفقٍ-تسونامي- جادٍ لا رجعة عنه نحو إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ضمن حدود يونيو/حزيران 1967.
مع ذلك لا تبدو السلطة الحالية قادرةً، وبالتأكيد ولا جديرةً، بحكم قطاع غزّة، ومواجهة سياسات الإجرام والتطرف والغطرسة والعنصرية الإسرائيلية، كما الاستفادة من التسونامي الدولي الداعم، خصوصًا مع الخطة المصرية العربية المدعومة دوليًا على نطاقٍ واسعٍ، والمعقولة والواقعية جدًا لإنهاء الحرب، عبر تشكيل لجنةٍ من كفاءاتٍ وطنيةٍ مستقلةٍ لإدارة قطاع غزّة لمدّة ستة أشهرٍ، تكون السلطة مرجعيتها، على أن تتسلم الأخيرة المسؤولية كاملة بعد هذه المدّة.
في قصة اللجنة شهدنا سجالاً مؤسفًا وزائدًا، لا داعي له مع مستوزرين، أو مستلجنين بحالتنا، كما وانتهازيةً فجة من بعض الأشخاص المتعطشين للسلطة والشهرة، والساعين لتسويق أنفسهم أمام واشنطن وتل أبيب، بحملةٍ دعائيةٍ ممولةٍ من لوبيٍ مرتبطٍ بالدولة العبرية وأجهزتها الاستخباراتية، وتداول مصطلحاتٍ مشبوهةً من قبيل "حاكم غزّة" في تساوقٍ مع الخطط والأحلام "الأوهام" الإسرائيلية بفصله عن الضفّة الغربية، مع تسريع وتيرة التهويد والاستيطان والضم فيها، على طريق تصفية القضية الفلسطينية، وازاحتها نهائيًا عن جدول الأعمال الإقليمي والدولي.
وعليه؛ لا نزال للأسف أمام غياب التوافق الفلسطيني، حتّى في ظلّ النكبة الجديدة، والدمار الهائل في غزّة، وخطر الضم بالضفّة، رغم أن خريطة الطريق الوطنية واضحةٌ، أو يفترض أنّها كذلك، وتتمثّل في تسليم ملف التفاوض للجنة التنفيذية الحالية في منظّمة التحرير، "على علاتها"، بحضور حماس والفصائل، كما جرى في حرب 2014، وتسليم السلطة في غزّة كاملةً للجنة المساندة المجتمعية "الإدارية"، برئاسة شخصيةٍ وطنيةٍ كفؤةٍ ونزيهةٍ، لوقف الإبادة والمقتلة، والاستشفاء وفق الخطة المصرية العربية الدولية لستة أشهرٍ، تشكل خلالها حكومة توافقٍ وطنيٍ، تتولى عمليات التعافي التام، وإعادة الإعمار، وتوحيد المؤسسات، وإنهاء الانقسام، وإجراء حزمة الانتخابات العامة، الرئاسة والتشريعية والوطنية، بعد فترةٍ زمنيةٍ معقولةٍ، تتراوح حول 15 شهرًا،  وهي المهلة  التي حددها مؤتمر نيويورك  لإقامة الدولة الفلسطينية.
في الأخير وباختصارٍ وتركيزٍ، كنا، ولا نزال، في حاجةٍ إلى قيادةٍ وطنيةٍ جديدةٍ على المستويات كلّها "السلطة والمنظّمة".. ومن نافل القول الإشارة الى ضرورة أن تكون القيادة الجديدة منتخبةً ديموقراطيًا، وذات مصداقيةٍ نقيةٍ من الاستبداد والفساد، وجديرةً بقيادة الشعب العنيد، أكثر الظواهر حيويةً في المنطقة، مع صموده لقرنٍ من الزمان أمام المشروع الاستعماري الصهيوني، الذي كان ولا يزال مدعومًا، على المستويات كلّها، من القوى الكبرى في العالم.
عن العربي

اخر الأخبار