العرب ودايان

تابعنا على:   14:30 2025-08-31

مروان صباح

أمد/ تُنسب إلى الجنرال الإسرائيلي موشيه دايان ، القائد العسكري الذي لعب دوراً بارزاً في حرب حزيران /يونيو 1967 وهو من احتل القدس وأعلن سيطرته على المسجد الأقصى ، مقولة شهيرة تعكس نظرته العميقة إلى طبيعة الصراع مع العرب ، فقد قال : " لا أخاف من العرب مهما جمعوا من السلاح والعتاد ، لكنني سأرتجف منهم إذا رأيتهم يصطفون بإنتظام لركوب الحافلة " ، " موشيه دايان ، مذكرات ، ترجمة عربية ، بيروت: دار النهار، 1976 " .
هذه العبارة ، وإن بدت عابرة - هامشية ، تحمل دلالات إستراتيجية تتجاوز بعدها الظاهر ، فقد أعتبر دايان أن مكمن ضعف العرب لا يكمن في نقص العتاد أو محدودية القدرات العسكرية ، بل في غياب الإنضباط والتنظيم على مستوى الحياة اليومية وإنتشار الفوضى ، وهو ما ينعكس بدوره على الأداء العسكري والسياسي " عبد الوهاب المسيري ، الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ ، القاهرة : دار الشروق ، 1997 " وبذلك ، فإن إسرائيل لا ترى في القوة المسلحة وحدها تهديداً وجودياً ، وإنما في إمكانية نشوء مجتمع عربي منظم ، قادر على تحويل طاقاته البشرية إلى قوة مؤسسية فاعلة وبعيداً عن التبعية الفكرية والاجتماعية والذي وصل حال بالعرب تبعيتهم للاحتلال .
هذه الرؤية لا تقتصر على دايان وحده ، بل نجدها حاضرة في خطاب قادة إسرائيليين آخرين ، فدافيد بن غوريون ، أول رئيس وزراء لإسرائيل ، كان يصرّح دوماً بأن «المعركة مع العرب ليست معركة جيوش ، بل معركة حضارة وتنظيم وإدارة " Michael Bar-Zohar, Ben-Gurion: A Biography, New York: Delacorte Press, 1977. " ، أما غولدا مائير ، فقد ذهبت أبعد حين قالت بعد حرب 1967 : «لن يغلبنا العرب ، ليس لأننا أقوى ، بل لأنهم عاجزون عن إدارة خلافاتهم قبل أن يديروا معاركهم " غولدا مائير ، حياتي، ترجمة عربية، بيروت: دار النهار، 1975 " .
هذه الشهادات تكشف أن القيادات الإسرائيلية أدركت باكراً أن نقطة التفوق لا تُختزل في السلاح ، بل في البنية الإجتماعية والسياسية التىّ تتيح حسن إستخدامه ، ومن هنا يمكن فهم المقولة الرمزية لدايان عن “الاصطفاف لركوب الحافلة” بإعتبارها مؤشراً على مستوى الوعي الجمعي والتنظيم المدني .
واليوم ، وبعد أكثر من نصف قرن على تلك المقولة ، ما زال واقعنا العربي يثبت صحتها ، فما زالت الانقسامات الداخلية تُضعف مواقفنا ، وما زال غياب ثقافة التنظيم والالتزام يجعلنا أكثر عرضة للهزيمة ، بل إن المفارقة المؤلمة أن بعض القوى العربية ما زالت تجد مع كل سقوط جندي منا مناسبة للشماتة والشعور بالسعادة ، بدلاً من أن ترى فيه خسارة مشتركة تهدد الجميع ، وهكذا ، يصبح “إنتصار العدو” هو ايضاً انتصارهم ، نتيجة طبيعية لغياب التماسك الإجتماعي والسياسي في الداخل العربي ، بل يبقى السؤال الأهم ، هل للمشاهد له أن يصدق بأن الرجل كان في شقة ينتظر صارخاً من مسيرة

اخر الأخبار