آن الأوان لمشروع جامع يوحّد الأمة ويتجاوز الخلافات
محمد ناجي الهميس
أمد/ تمر أمتنا اليوم بلحظة فارقة تتطلب وقفة جادة ومسؤولة أمام التحديات والمخاطر المحدقة. لقد آن الأوان لتجاوز الخلافات، سواء تلك التي تمزق الداخل بين القوى والتيارات داخل الدولة الواحدة، أو تلك التي تعمّق الانقسام بين الدول الشقيقة. فالزمن لم يعد يحتمل مزيدًا من الصراعات البينية التي تستنزف الطاقات وتُضعف مكانة الأمة وتمنح الأعداء فرصة ذهبية للهيمنة.
إن تكرار مشهد الخصومات والنزاعات الداخلية لم يعد مجرد خلاف سياسي عابر، بل أصبح نزيفًا يهدد مستقبل الأجيال ويُفقد الأمة توازنها. في المقابل، فإن التاريخ يعلّمنا أن لحظة الوحدة الحقيقية، حين تتجاوز الأطراف خلافاتها وتوحّد صفوفها، تكون دائمًا نقطة تحوّل كبرى تفتح أبواب القوة والنهضة.
المطلوب اليوم هو توحيد الرؤية والنظرة، والاتفاق على أن العدو الحقيقي هو من يستهدف وجود الأمة وأمنها وهويتها، لا من يختلف معنا في تفاصيل السياسة أو أسلوب الحكم. السهام يجب أن تُوجّه نحو الخارج لا الداخل، فالقوة حين تتبدد في صراع الأشقاء تصبح خدمة مجانية للأعداء.
وعلى الزعماء، الذين بأيديهم خيوط القرار والقدرة على صياغة المصير، أن يرتقوا فوق المصالح الضيقة والحسابات الآنية، وينظروا لمصلحة الأمة جمعاء. فالمشروع الذي نحتاجه اليوم ليس مشروع دولة منفردة أو تيار محدود، بل مشروع شامل، جامع يتجاوز حدود الطموحات الخاصة ليكون مظلة كبرى ينضوي تحتها الجميع، ويشعر فيها كل طرف بأنه شريك أصيل لا تابعًا.
ولابد كذلك أن يُقرّ الجميع مبدأً لا تفاوض عليه: ألا يسمح أي طرف أو أي دولة بأن تكون أداة لاستهداف الآخر من قبل قوى خارجية، وألا يتيح أحد أن تستغله تلك القوى التي لا تريد له الخير، تحت أي مبرر كان، مهما أوهمت، أو أقنعت، أو ادعت الصداقة والحرص. فلا مبرر للحفاظ على نفوذ خارجي على حساب سيادة وطنية أو أمن إقليمي، ولا تبرير لأن تُستغل اختلافاتنا لتفتيتنا من الداخل.
إن مشروعًا كهذا لا يحقق فقط وحدة الموقف السياسي، بل يعيد الثقة للشعوب، ويحوّل التحديات إلى فرص، ويعيد للأمة وزنها بين الأمم. وما لم ندرك أن الزمن لا ينتظر، وأن الأعداء لا ينامون، فإننا سنظل ندور في حلقة مفرغة من الاستنزاف والتشرذم.
لقد حان الوقت لقراءة الواقع بعيون العقل لا بسطحية العاطفة، ولإطلاق مشروع جامع يكتب صفحة جديدة في تاريخ الأمة، صفحة ترتكز على الوحدة والقوة والعدل، لتكون الأمة قادرة على مواجهة التحديات وصناعة مستقبل يليق بأبنائها.
