هل تنجح روسيا في 'إنقاذ' سوريا من 'التدخل' و'الاستبداد'..
كتب حسن عصفور/ منذ أن انتهى الاتحاد السوفيتي بطبعته التحررية وإسناد حركات التحرر، لم نشهد لروسيا دورا مميزا في القضايا الكونية، بل إنها سجلت بعضا من التواطئ في محطات سياسية خلال فترة هي الأسوأ، فترة حكم 'عائلة يلتسين' ابنة وزوجة، ونهبت البلاد من قبل 'زمرة يهودية شابة'، وغابت بحضورها عن قضايا العالم سوى الانجرار خلف السياسة الأمريكية، ومنذ تسلم بوتين السلطة والشعوب العربية تمنى النفس بأن تعود لروسيا بعضا من 'مخالبها' علها تستطيع تخفيف الجبروت والهيمنة والتوغل العدواني – الأمريكي – الأطلسي، حتى بعض فصائل' تيار الإسلام السياسي' تمنت ذلك، بعد أن وقفت جنبا إلى جنب لتقاتل الاتحاد السوفيتي مع الولايات المتحدة وتحالفها الأطلسي بذريعة 'حماية الإسلام' في أفغانستان.. ولكن التمنيات لم تجد لها سبيلا، رغم أن 'الانجرار الروسي' لم يعد كما كان في 'الفترة اليلتسينية'..
ومنذ فترة بدأت تعود روسيا لبعض من روحها التحررية، خاصة في مواجهة الهيمنة الأمريكية في أكثر من منطقة، ليست عودة وفقا للمبدأ الاشتراكي الثوري بمناصرة الشعوب كونه 'واجبا أمميا' ، بل أتت في سياق رؤية جديدة لمفاهيم 'المصالح ومناطق النفوذ'، وتحددت تلك الرؤية في إيران وسوريا وبعض المواقف تجاه القضية الفلسطينية، ولأن 'المصالح والنفوذ' كانت محرك الموقف الروسي، فإنها لم تسجل موقفا حاسما في أي من القضايا المثارة في الصراع على النفوذ مع أمريكا، سوى في قضية نشر الدرع الصاروخي في دول أوروبية تلحق ضررا استراتيجيا بالقوة الروسية، وهو ما أدى بروسيا أن تهدد بلغة هي أقرب ما يكون إلى لغة 'الحرب الباردة'، ما أجبر واشنطن والأطلسي على التراجع وتقديم مكسبا هاما لتعديل ميزان القوى العسكري الاستراتيجي..
ومع انطلاقة حركة الشعوب العربية ضد الاستبداد والفساد والقهر ومصادرة الحريات، تدخلت أمريكا فورا عبر مختلف الوسائل والأدوات المالية والإعلامية ، من خلال منظومتها العربية للسيطرة على القوة الشعبية وتحويل توجهها لتعيد شكل 'التحالف الثمانيني' بين 'الإسلام السياسي' والولايات المتحدة، بدعم مالي – إعلامي خليجي، يتكرر المشهد في الظروف الراهنة حتى لو كان تكرارا هزليا في بعض ملامحه وأنماطه.. واعتقدت بعض القوى الديمقراطية أنها فرصة لعودة 'الروح السوفيتية' لتشارك الشعوب العربية بعضا من مطالبها في التحرر من الاستبداد وأيضا حمايتها من 'سرقة ثمرة كفاحها' وتصديرها لمربعات تآمرية – تقسيمية.. ولكن الموقف الروسي أصيب بارتباك فاق ارتباك 'القوى الديمقراطية العربية' والتي وجدت ذاتها وكأنها تستخدم كـ'قاطرة لتمرير مشروع استعماري جديد' في نضالها ضد الاستبداد والفقر والقهر والفساد ..
ولكن ظهرت مؤخرا مؤشرات قادمة من موسكو، تشير أن هناك جديدا سياسيا في كيفية التعامل الروسي مع التطورات السياسة عربيا، خاصة في سوريا، فلأول مرة تسعى روسيا للربط بين ضرورة تطبيق منهج الإصلاح السياسي الذي تريده الشعوب وبين منع التدخل العسكري الخارجي.. السلوك الروسي في الحدث السوري يستحق قراءة مختلفة للسلوك الروسي الذي سبقه.. فموسكو طالبت الأسد ،وبشكل صريح، أن يقوم بتطبيق برنامج إصلاح سياسي جذري والتجاوب مع الرغبة الشعبية للتطوير والإصلاح نحو بناء سوريا الجديدة، وكان تحذير الرئيس مدفيديف للرئيس الأسد غاية في الأهمية، واستقبلت موسكو وفودا للمعارضة السورية ،مختلفة الاتجاهات والنوايا أيضا، ولكن وبدرجة لم تعد خافية على أحد، قررت موسكو أن تقف حائط صد لأي محاولة للتدخل العسكري في سوريا كما حدث مع ليبيا.. وحذر بوتين من 'حرب أهلية' ومخاطرها، ورغم نفي واشنطن لحدوث ذلك، سرعان ما تراجعت وأكدت الاستنتاج الروسي..
الموقف الروسي لا ينطلق من منطلقات الاتحاد السوفيتي السابقة، ولكنه أيضا يدرك جيدا أن سقوط سوريا بالطريقة الليبية يعني طرده كليا من الحضور السياسي الشرق أوسطي، بحرا وأرضا، وأكمال فرض السيطرة والهمينة الأمريكية على المنطقة من خليجها لأطلسها، وفقا لمعادلات سياسية معقدة.. ولعل هذه المسألة الاستراتيجية التي فرضت 'تهديدا روسيا مبطنا' ضد الأطلسي ومن يفكر بالتدخل العسكري، وجاء خبر إرسال بوارج حربية لسوريا رسالة حربية روسية.. ولكن هل تكتفي موسكو بالتهديد لمنع التدخل أم تستغل هذه المسألة لفرض إصلاح حقيقي في سوريا..
حماية سوريا تكون بمنع التدخل العسكري وأيضا بمنع الحل الأمني وفرض سيطرة حزب بالقوة العسكرية.. المعادلة صعبة معقدة لكنها ليست ممستحيلة.. ولروسيا فرصة ذهبية كما للرئيس الأسد أيضا للاستفادة نحو الإصلاح وليس الاستبداد..
ملاحظة: 'قصة ليلة القبض على سيف الإسلام' بها كثير من 'الألغاز' .. الأيام القادمة ستكشف من هي المخابرات الغربية أو العربية التي كانت صاحبة 'الحظوة' في ذلك ومتى حدث الاعتقال حقيقة..
تنويه خاص: بدأت حرب 'الكلام المتنافي' قبل لقاء عباس – مشعل؟.. راقبوا تصريحات الطرفين يوم السبت فقط .
تاريخ : 20/11/2011م
