وأخيرا..سنرى محاكمة رئيس
كتب حسن عصفور/ لو أن مصريا قبل شهر ونصف من اليوم قال إنه رأى في منامه أن هناك من كتب في صحيفة مصرية يطالب بمساءلة الرئيس حسني مبارك عن قضية ما ، لقيل إنها ليس سوى 'أضغاث أحلام' ، وقد يجد الرجل نفسه أمام مساءلة عن من هي الجهة التي تقف خلف ذاك الكابوس ، ومن يمولها وما هي أهدافها .. الأسئلة التي يعرفها كل مواطن عربي مرت قدماه يوما على مكتب أمني في قضية سياسية ، مهما كان طابعها .. أحلام باتت اليوم وكأنها تتحقق في زمن عربي لم يعد كله رديء.
في مصر التي لا تزال تعيش حالة الثورة ، لم ترس سفينتها بعد ، لكنها تشهد ما كان ممنوعا أن تحلم به وليس أن تعمل من أجله ، لم يعد 'الشعب يريد إسقاط النظام ' كافيا ، ولم يرو 'إرحل' عطش شعب ذاق كثيرا من ويلات القمع والقهر ، ومن قول قوة التغيير برحيل الرئيس ومحاكمة رجال الرئيس إلى 'الشعب يريد محاكمة الرئيس' ، شعار لم يكن واقعيا لقبل أيام وحتى بعد الرحيل والتنحي ، لم يتم البحث في هذا الشعار انسجاما مع الحساسية التي انتشرت بقوة العادة العربية – المصرية، إن القوات المسلحة لن تسمح بإهانة أحد رموز 'نصر أكتوبر' وقائد الضربة الجوية الأولى .. مقولة انتشرت جدا ووجدت تفهما واسعا في أوساط الشعب المصري ، وكأنها أحد 'مقدسات الحالة الجديدة' ..
ولكن حدث ما لم يكن في حسبان 'أهل المحروسة' من كل أطيافها .. من هم معادين بالمطلق للرئيس السابق ومن هم يعتقدون بالاكتفاء برحيله دون إهانة رمز عسكري ، فمع إطلاق روح النصر لمحاربة الفساد وكشف رجاله وكل من ساهم به ، برزت كشوف وأسماء ومبالغ لا تبقي عقلا في رأس مصري.. فالأرقام التي تخرج من داخل مكتب التحقيقات ( وليس ما ينشر في الإعلام) تفوق الخيال العلمي ، حيث المليارات تتراكم دون أدنى وخزة ضمير ..وسرقة مصر دون خوف من لحظة سقوط..
بدأ عهد ' كشف المستور' الحقيقي دون تزوير أو تشويه ودون حسابات تصفية الحساب مع هذا وذاك ، فما بات معروفا لا يحتاج مطلقا لتزوير ..تساقطت الأسماء الكبيرة من سياسيين ورجال أعمال وأقارب ومعارف وأصدقاء 'العائلة الحاكمة' في مصر ، والعاملين في مكتب الرئاسة .. أراض وعقارات وأموال في كل مجال تجد طريقها إلى أن أحدا ممن هم من محيط 'العائلة الحاكمة' له يد أو إصبع في ملف الفساد الأشهر في التاريخ المصري ، ملف يبدو أنه سيفوق بما لا يقاس كل ملفات الفساد في 'تاريخ المحروسة' .. أموال وثروة تصل إلى ما يقارب التريليون جنيه أو دولار لم تعد تفرق كثيرا .. دون حساب الخسائر من جراء هذه السرقات أصلا..
ملف يطيح باكتشافه بكل ما سبق من 'معايير الأخلاق' ، فكان القرار التاريخي للنائب العام المصري ، بملاحقة أموال الرئيس وعائلته وكل من يحيط به في الخارج ، بعد أن تم الطلب بالتحفظ عليها وتجميدها إلى حين عودتها ، وانتقل القرار بعد أن قام النائب السابق مصطفى البكري بكسر حاجر الرهبة ، وتقديم كشوفات مالية تخص الرئيس وعائلته في بنوك مصر ، أموال تفوق التقدير العادي لفساد قد يكون محدودا ، ولكن المكشوف أجبر النائب العام على كسر' حرمة الرمز العسكري' فأمر بتجميد كل أموال العائلة الحاكمة سابقا في مصر ، ثم أصدر قرارا لاحقا بمنع سفر عائلة الرئيس السابق ، ليتبعها بالقرار التاريخي ، والذي سيكون أحد العلامات الفارقة في تاريخ 'مصر الحديثة' ما بعد الثورة ، إحالة ملف الرئيس إلى التحقيق وطبعا المحاكمة ..
قرار يأتي ليعكس مدى قوة الثورة المصرية ، والتي أطاحت بما كان لقبل إسبوع لا أكثر من 'المحرمات' التي لا يقبلها غالبية الشعب المصري ليس حبا في رئيس لم يستمع لما أراده شعبه في لحظة زمنية كان لها أن تحمي شيخوخته ،بل حرصا على لحظة من تاريخ مصري هام، باتت محاكمة الرئيس محمد حسني مبارك الرئيس المتنحي – المخلوع واقعا ، ليصبح الرئيس 'قيد المحاكمة' والتي لم يعد بالإمكان معرفة نتيجتها .. ولا يمكن أن يتم استبعاد أن يراه الشعب المصري هو والأبناء والزوجة في قفص الاتهام مع الأصهار والمحبين .. ومن ثم إلى السجن الأشهر راهنا في مصر .. سجن طرة – المزرعة ، والذي يستقبل كل رموز النظام السابق ، ممن اعتقدوا يوما أن مصر باتت ملكا وراثيا لحكمهم ومن يريدون ..
الزمن العربي المتحرك يقلب كثيرا من مسلمات الإنسان العربي ، لم يعد هناك من تعابير المحرمات المفروضة بالقوة وإرهاب السلطة، فالمواطن يشعر أنه اليوم 'يستطيع' فعل ما لم يكن بالإمكان استطاعته .. يشعر الآن أن الزمن القادم سيكون زمنه ، حتى بتلك 'التشويهات' التي تبرز عبر محاولات الاستعمار وقواه لسرقة المنجز التاريخي في 'غضب الشعوب' ، كما هو الحال اليوم في ليبيا ، والتي تريد واشنطن وتحالفها وبعض من مناصريها بضرب التحرك الثوري واقتناصه بعمل عسكري تحت مسمى' حقوق الإنسان' من جريمة القذافي .
ما يحدث في مصر من تغيير لملامح الدولة التي عاشت بثقل حركي تماثل حركة السلحفاة في زمن غابر منذ ما يفوق الثلاثين عاما ، وهي التي لها الفخر بأن تكون 'نجمة الأمة' التي تنتظر قائدها منذ زمن بعيد ، وبعد أن فقدت الأمل بأن تراه فذهبت إلى غير العرب تبحث عن ما يشبع رغبتها في التمرد والتحرر، إلى أن عادت مصر التي نريد.. فعاد النموذج القائد ليكون ما يجب أن يكون ..
مصر اليوم وقريبا سترسم لوحة لجيل بل لأجيال إنها الدولة التي ستحاكم رئيسها دون أي تطاول أو تزوير في قائمة التهم ، وربما تجد نفسها تخفف من لائحة الاتهام التي ستوردها 'النيابة العامة كي لا يذهب إلى 'فضيلة المفتي'.. مصر قادمة لتمنح الأمل ليس فقط بما كان في 'الميدان' بل بما سيكون في شارعها السياسي الكبير.. وأخيرا سنرى بعضا من حلمنا .. محاكمة رئيس أو حاكم عربي بعدالة وتحت سمع البشر أجمع ..
وليت الحكومة المصرية تخصص قناة تلفزية من بين عشرات قنواتها تسميها قناة 'محاكمة الفساد' وتنقل كل ما يدور إلى العالم .. قناة سيكون لها حضور لا مثيل له لو أنها وجدت طريقها للنور .. فعندها سينقلب حال الإعلام رأسا على عقب .. كم هي أمنية تستحق التحقيق لشعوب اعتصرها الخوف والقهر طويلا .
ملاحظة: كيف يمكن أن نجد معادلة حماية التغيير الليبي من سرقة باتت في الأفق من سارقي ثروات الأمة .. هل هناك من حكمة لا تجعلنا جزءا من الفعل الاستعماري ولكن أيضا ليس جزءا من إدامة القهر الليبي..لنفكر قبل فوات الآوان .
تاريخ : 3/3/2011م
