التآمر المستمر على تضحيات الشعب الفلسطيني
د. عقل صلاح
أمد/ تحاول هذه المقالة النبش في تاريخ النضال الفلسطيني ومآلاته والتآمر الغربي والإقليمي عليه، والنتائج التي تحققت على إثر استهداف نضالات الشعب الفلسطيني التي لم تتوقف، وبنفس الوقت يبرز السؤال الذي ينطبق على كل مرحلة من مراحل النضال الفلسطيني ومفاده، لماذا تكون نتيجة كل مرحلة من مراحل النضال ضد الاحتلال أسوأ مما قبلها؟، فهذه المقالة تسعى للإجابة عن هذا السؤال من خلال تناول جميع هذه مراحل نضالات الشعب الفلسطيني وتفصيل نتائج كل مرحلة.
ففي البداية نتناول أبرز النضالات التاريخية التي خاضها الشعب الفلسطيني والتي كانت في الغالب نتائجها بعكس ما هدف أو تمنى الشعب الفلسطيني ويمكن حصر هذه المراحل في التالية:
أولًا، ثورة البراق (1929): وهي الخطوة الأولى التي يمتلك بها الشعب السلاح لمواجهة الاستيطان الصهيوني، الذي هدف للسيطرة على حائط البراق، حيث تعتبر ثورة منظمة مسلحة ضد الاحتلال البريطاني والصهيوني. انطلقت الثورة بعد تنظيم اليهود مظاهرة ضخمة عند حائط البراق، بمناسبة ما سموه "ذكرى تدمير هيكل سليمان"، حيث أرسلت الشرطة قوات كبيرة لحماية المتظاهرين اليهود، وحصلت مواجهات بين الفلسطينيين من جهة واليهود وقوات الانتداب من جهة أخرى في المدن الفلسطينية.
أسفرت المواجهات عن مقتل 133 يهوديا وجرح 339 آخرين، في حين قتل 116 فلسطينيًا وعربيًا وجرح 232 آخرون. بعد أن تمكنت بريطانيا من السيطرة على الموقف بقسوة، قدمت للمحاكمة ما يزيد على ألف من العرب والفلسطينيين وحُكم على 27 منهم بالإعدام. وقامت سلطة الانتداب البريطاني في إعدام 3 بعد اتهامهم بقتل يهود، هم: فؤاد حسن حجازي، ومحمد خليل جمجوم، وعطا أحمد الزير، الذين نفذ فيهم الحكم في 17 حزيران/يونيو 1930، في سجن مدينة عكا، في محاولة من بريطانيا لمنع تكرار الثورة.
عقب أحداث ثورة البراق، قرّر مجلس عصبة الأمم في 14 كانون الثاني/ يناير1930 تشكيل لجنة اقترحت الحكومة البريطانية أسماءها، وتكليفها بالبتّ في "مسألة حقوق ومطالب المسلمين واليهود في حائط المبكى (البراق)". فقد كانت النتيجة أن تم تثبيت الوجود الإسرائيلي والدعم البريطاني المطلق لإسرائيل في احتلال فلسطين.
ثانيًا، العمل الثوري، الانتفاضة الشعبية عام 1936، والتي استمرت حوالي ستة أشهر والتي شكلت فعلًا ثوريًا لم يسبق أن سجل في تاريخ القضية الفلسطينية ضد الاستعمار البريطاني والاحتلال الإسرائيلي، والتي تم الالتفاف عليها من خلال تشكيل مجموعات عسكرية محلية من بعض العوائل الفلسطينية والتي كان هدفها إيقاف هذه الانتفاضة وهذا ما حصل وكانت حجر الأساس في طعن القضية الفلسطينية واغتصابها من خلال ما عرف بالتاريخ مصطلح النكبة سنة 1948، واحتلال فلسطين وإقامة دولة الاحتلال الإسرائيلي على جزء كبير من فلسطين التاريخية.
ثالثًا، الوجود الفلسطيني "الثورة الفلسطينية" في لبنان، ففي سنة 1982 قامت إسرائيل بشن حرب على لبنان مستهدفة الثورة الفلسطينية والوجود الفلسطيني وبالتحديد "اللاجئين" المخيمات الفلسطينية، وإنهاء "قواعد" الوجود المسلح للفصائل الفلسطينية، وإجبار الرئيس ياسر عرفات ورجال المقاومة على الرحيل من لبنان إلى الدول العربية، من أجل الضغط على الشعب الفلسطيني في فلسطين المحتلة للتفاوض بعيدًا عن منظمة التحرير والتوصل لاتفاق مع إسرائيل. ومن ثم تلقت منظمة التحرير ضربة سياسية أخرى تمثلت في المبادرة التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي رونالد ريغان في الثاني من أيلول/سبتمبر 1982، والتي نصت على أنه لا دولة فلسطينية في الضفة وغزة، وأن تحقيق الحكم الذاتي للفلسطينيين في كل من الضفة وغزة يتم بالارتباط مع الأردن.
بعد انسحاب قوات منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت وقعت مجزرة صبرا وشاتيلا واستشهد على إثرها 4 آلاف شهيد فلسطيني ولبناني (بين 16 و18 أيلول/ سبتمبر 1982)، وذلك على الرغم من التطمينات المعطاة بشأن حماية المدنيين.
رابعًا، الانتفاضة الأولى "انتفاضة الحجارة" عام 1987، والتي لم تكن بمجهود أي حركة أو منظمة فلسطينية وإنما الأحداث التي حصلت على الساحة الفلسطينية والأوضاع المتردية للشعب وممارسات الاحتلال كلها مجتمعة أدت إلى غليان الشارع الفلسطيني وانفجاره على إثر حادث الدهس المتعمد الذي اعتبر بداية اندلاع الانتفاضة.
التي شهدت بروز منافس إسلامي لمنظمة التحرير على ساحة المقاومة، بالإضافة إلى محاولات إبعاد منظمة التحرير عن دائرة المفاوضات دفعت عرفات إلى محاولة التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل يكون فيه هو الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، متخوفًا من تكوين قيادة بديلة في الداخل، أو من أن يحل الوفد المفاوض مكان منظمة التحرير.
وبناءً عليه تم توقيع اتفاقية أوسلو سنة 1993، ولم يشمل الاتفاق القضايا الجوهرية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وإنما تم تأجيلها، والتي تشمل (القدس، وحق العودة، والمستوطنات، والحدود)، وغيرها إلى مفاوضات الوضع النهائي، إلا أنه وبعد مرور أكثر من ثلاثة عقود مازالت هذه القضايا عالقة. فقد شكلت الانتفاضة ضغطًا على الاحتلال أجبره على التفاوض من أجل وأد الانتفاضة، ويتجلى ذلك بوضوح في أوسلو الذي ألزم الجانب الفلسطيني بإعلان انتهاء الانتفاضة، وإدانة أعمال العنف. ولقد نتج عن أوسلو السيطرة الكاملة على الضفة وتم إجهاض تضحيات الشعب الفلسطيني في الانتفاضة دون تحقيق أي من أهدافها.
خامسًا: الانتفاضة الثانية انتفاضة "الأقصى" عام 2000، إن فشل المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية وتزايد الضغط الأمريكي على الرئيس عرفات لتوقيع اتفاق يتنازل فيه عن الثوابت الوطنية، ورفض الرئيس التوقيع بقوله "إنني أرفض التخلي عن أي جزء من الحرم الشريف، حتى مقابل حيفا أو يافا، ولن أبيع القدس، ولن يسجل علي التاريخ أنني خائن"، أدى إلى تغيير السياسة الأمريكية والأوروبية والعربية تجاهه، فبدأت المحاصرة السياسية والمالية والدبلوماسية للرئيس، وفي ظل هذه الظروف السياسية المعقدة عمد شارون إلى زيارة وتدنيس ساحات المسجد الأقصى، فانفجرت الأمور معلنة اندلاع الانتفاضة الثانية.
لقد حظيت انتفاضة الأقصى في البداية على دعم سري من الرئيس عرفات، فقد أيد ومول العمل المسلح، بسبب قناعته بأن الأمور لا يمكن حلها مع إسرائيل إلا عبر القوة، مما فتح المجال لممارسة العمل المقاوم لجميع الفصائل من أوسع أبوابه. فكانت النتيجة تسميم الرئيس عرفات واغتياله جسديًا بعدما استطاعت إسرائيل وأمريكا والبعض الآخر اغتياله سياسيًا، ومن 2005-2015، سحبت السلطة أسلحة الأجنحة العسكرية وحلتها؛ لقاء دولة فلسطينية مستقرة اقتصاديا؛ وإنهاء معاناة المواطنين، ولكن النتيجة أن الاستيطان التهم الضفة.
سادسًا: طوفان الأقصى "السابع من تشرين الأول/أكتوبر عام 2023، قبل انطلاق الطوفان أوغلت إسرائيل في حصار القطاع منذ سنة 2006، وقامت بشن خمس حروب على القطاع، وتفاقمت الاعتداءات على المرابطين في الأقصى وارتفعت نسبة الاقتحامات الاستعراضية والاستفزازية والقتل والهدم والاعتقال وزيادة حدة الاستيطان واعتداءات المستوطنين على الضفة ليصل إلى حرق قرى كاملة كما حصل في حوارة وغيرها؛ وواصل ابن غفير استهداف الأسرى في السجون من خلال الاقتحامات وتخفيض نسبة الطعام والعقاب المستمر والجماعي وسحب غالبية الحقوق وقتل الأسرى وتشريع العشرات من القوانين الإسرائيلية لاستهدافهم، أضف لما سبق فقدان الأمل في حل جذري للقضية الفلسطينية وتطبيق خطة ترامب بنقل السفارة الأمريكية للقدس والتطبيع العربي الإسرائيلي؛ جميع هذه العوامل وغيرها الكثير دفعت حركة حماس في التفكير الجدي في تطبيق القانون الدولي والشرعية الدولية التي تعطي الشعب المحتل حق مقاومة الاحتلال من خلال القيام في الطوفان الذي كشف عجز إسرائيل ووهن الاحتلال، وانكشفت إسرائيل التي كان مطلوب منها حماية مصالح أمريكا في الشرق الأوسط أصبحت هي بحاجة إلى من يحميها ويقاتل معها كما فعلت أمريكا والعديد من الدول الغربية حتى وصل لحد الدفاع القانوني عنها من خلال استخدام الفيتو الأمريكي ضد وقف حرب الإبادة أثناء الحرب ست مرات.
وبعد 725 يومًا على حرب الإبادة، طرح ترامب خطة مضمونها وصاية بريطانية دولية على غزة، وطلب من حماس الموافقة على الخطة التي تصب في صالح إسرائيل، حيث وافق عليها نتنياهو ظنًا منه أن حماس سترفض الخطة، فكان رد حماس ذكيًا بأن وافقت على تسليم الرهائن كما جاء في خطة ترامب وتسليم الحكم إلى لجنة فلسطينية مستقلة بتوافق فلسطيني وتركت جميع القضايا العامة المتعلقة في الشأن الفلسطيني إلى توافق فلسطيني وربطت موضوع السلاح في الحل السلمي للقضية الفلسطينية، وتم الترحيب الفوري من قبل ترامب والعالم برد حماس. وهنا أعادت حماس الكرة للملعب الإسرائيلي ولم تعط نتنياهو ما أراد وهو رفضها لخطة ترامب، كونه هو من عدل على الخطة من أجل أن ترفضها حماس ويستمر في الحرب على القطاع.
ما يهمنا في هذا الجانب هو التآمر المستمر على القضية الفلسطينية وعدم إعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية والمتمثلة في الدولة والاستقلال، إلا أن السابع من أكتوبر وحرب الإبادة وجهت رسالة للعالم أن القضية الفلسطينية لا يمكن قتلها ولابد من حل سياسي من أجل إقامة الدولة وإنهاء الاحتلال، وهذا ما جعل العالم يعترف في الدولة الفلسطينية وطوفان نبذ الدولة الإسرائيلية. فقد أصبحت صورة إسرائيل عالميًا مقرونة في الإبادة، فبدلًا من إنهاء القضية تم إعادة القضية إلى الطاولة الدولية، وبدلًا من محاصرة الشعب الفلسطيني تم محاصرة الدولة الإسرائيلية المارقة، إلا أن التآمر على القضية والتضحيات التي قدمها الشعب مازالت قائمة ومستمرة ومازالت الولايات المتحدة تضع الحلول الترقيعية وترحل الحل الجذري للقضية الفلسطينية، وهذا يثبت الغباء الأمريكي والإسرائيلي المتواصل والمتمثل بظنهم أن الشعب الفلسطيني سوف يتأقلم مع الاحتلال ويوقف المقاومة؛ فكان يجب تبييض السجون لتحقيق الهدف الجوهري للطوفان ولكن حتى الأسرى القادة والمؤبدات وأعضاء النخبة التي قامت في الطوفان لم يتم تحريرهم مما يعطي المجال لمن ينتقد الطوفان أنه لم يحقق الهدفين الأساسيين وهما حرية جميع الأسرى ووقف الاعتداءات على الأقصى، وهذا ما هدفت لتحقيقه أمريكا وإسرائيل لإجهاض أهداف الطوفان.
