نوفمبر... حين تتعانق الثورة والحرية بين الجزائر وفلسطين

تابعنا على:   19:34 2025-11-05

سامي إبراهيم فودة

أمد/ في مطلع تشرين الثاني، لا تهبّ رياحٌ عادية، بل تستيقظ ذاكرة الأمة على نداءٍ يجلجل في صدور الأحرار:
"هنا الجزائر... وهنا فلسطين!"
من جبال الأوراس إلى جبال القدس، من دماء المجاهدين إلى دموع الأمهات، يولد نوفمبر كل عام كأنّه صلاة الثورة في معبد الحرية، ووصية الشهداء للأجيال أن لا تنام الضمائر ولا يهدأ الحلم.

في الأول من نوفمبر 1954 دوّى صوت الرصاص في ليلٍ ثقيلٍ أنهكته سلاسل الاستعمار، فكانت الجزائر أول من كتب بدمها بيان الولادة الجديدة للأمة العربية. لم تكن ثورتها مجرّد انتفاضةٍ على الاحتلال، بل كانت انفجار وعيٍ جمعي، وإعلان ميلادٍ للعروبة في أبهى صورها. حمل المجاهد الجزائري بندقيته كما يحمل العاشق قلبه، وخرج يهتف:
"نموت كي تحيا البلاد!"
وفي صدى هذا الهتاف، سمع الفلسطيني صوته، وردّد معه من خلف الأسلاك والأسوار:
"ونحيا لنحرر البلاد!"

ثم شاء القدر أن تتكرر المعجزة، ولكن هذه المرة في الخامس عشر من نوفمبر 1988، يوم وقف القائد الرمز ياسر عرفات على أرض الجزائر ليعلن من منبرها قيام دولة فلسطين، وكأنّ التاريخ أراد أن يُوثّق أن المهد الذي ولدت فيه الحرية الجزائرية، هو ذاته الذي سيحتضن مولد فلسطين الشرعية والسياسية والوجدانية.

يا له من توأمٍ مقدّسٍ بين الجزائر وفلسطين!
الجزائر حررت أرضها من براثن الاستعمار، وفلسطين تحرر الوعي الإنساني من غشاوة الكذب الصهيوني. الجزائر كتبت بالدم معنى الكرامة، وفلسطين تكتب بالصمود معنى الخلود. كلاهما علّمتا العالم أن الحرية لا تُمنح... بل تُنتزع انتزاعًا من بين أنياب الطغاة.

نداء إلى الأدباء والمثقفين العرب والفلسطينيين

أيها الحراس على بوابة الوعي،
يا من تحملون القلم كالسيف، وتكتبون بالمداد كما يُكتب بالنار،
إنّ نوفمبر ليس ذكرى تاريخية فحسب، بل اختبارٌ دائمٌ للذاكرة، وسؤالٌ موجّهٌ إلى ضمائر الأمة:
هل ما زال فينا نبض الثورة؟
هل ما زالت أقلامنا تُشعل الوعي كما أشعلت بنادق الأوراس ليل الاستعمار؟

ما يجمع بين ثورة الجزائر وإعلان دولة فلسطين ليس تشابه تواريخ ولا توافق مناسبات، بل وحدة مصيرٍ وجذرٍ ونبضٍ واحد.
الأولى انتصرت على السلاح الفرنسي، والثانية تصارع أبشع احتلالٍ عرفته البشرية.
الأولى حررت الأرض، والثانية تحرر الوعي.
وكلتاهما ترفضان النسيان والخنوع والانكسار.

فيا شعراء العروبة ويا كتّاب المقاومة،
لا تتركوا ذاكرة الأمة تذبل،
اكتبوا كما يقاتل المجاهد،
واصرخوا بالكلمة الحرة كما يُطلق الرصاص في وجه الظلم.
اكتبوا كي تبقى القدس قبلة الأحرار،
وكي تبقى الجزائر منارة التحرير،
وكي تظل غزة جرحًا مفتوحًا على فجرٍ قادمٍ لا محالة.

ما بين الأوراس والقدس... حكاية لا تموت

كل أمٍّ جزائرية ودّعت ابنها في الجبل، كأنها أمٌّ فلسطينية تودّع شهيدًا في غزة.
كل أسيرٍ فلسطيني في زنازين الاحتلال، هو صدى لمجاهدٍ جزائري في معتقلات المستعمر.
كل شهيدٍ يسقط على تراب فلسطين، ينهض معه شهيدٌ من ذاكرة الجزائر ليقول:
"نوفمبر لم يمت... بل يسكن في عروقكم."

إنّ ما بيننا ليس جغرافيا ولا تضامنًا عابرًا، بل دمٌ وتاريخٌ وهوية.
إنها شراكة قدرٍ ومصير، رسمتها الثورة الجزائرية بمداد الدم، وثبّتها الإعلان الفلسطيني بالحبر الشريف على الورق.

في ختام سطور مقالي
في ذكرى نوفمبر المجيد،
وفي اقتراب ذكرى إعلان دولة فلسطين،
نجدد العهد أن نبقى الأوفياء للحرية وللكلمة وللشهداء.
لن نسمح للزمن أن يمحو ذاكرة الثورة، ولا للخذلان أن يصادر حلم الشعوب.
فبين الجزائر وفلسطين لا حدود، وبين الثورة والكرامة لا انفصال.

سيظل نوفمبر موعدنا الأبدي مع الفجر،
وسيظل القلم سلاحنا حين تصمت البنادق،
وسيبقى المجد للشعوب التي تعرف أن الحرية تُصنع بالوعي أولًا، ثم بالدم الطاهر ثانيًا.

المجد للجزائر التي فجّرت ثورتها فحررت الأمة،
والمجد لفلسطين التي ما زالت تكتب بدمها سفر الخلود.
وسيبقى نوفمبر شاهدًا على أن الأمة التي أنجبت الأوراس والقدس... لا تموت أبداً.

اخر الأخبار