خطة ترامب للسلام: رؤية أميركية تتجاوز حرب غزة نحو تسوية إقليمية شاملة
عبد الكريم عويضة
أمد/ في 29 أيلول الماضي نشر البيت الأبيض نص الخطة الرسمية التي طرحها الرئيس ترامب فيما يتعلق بالسلام في الشرق الأوسط والتي سميت " خطة الرئيس ترامب الشاملة لإنهاء النزاع في غزة"، والتي إعتمد فيها (من وجهة نظري) المقاربة الفلسطينية التي تقضي أن وقف الحرب في غزة يجب أن يكون ضمن أفق سياسي للحل الشامل! وكنت قد أسلفت سابقاُ في قراءة أولية أن هذه الخطة يجب النظر لها بعين العقل وليس بمجرد الرؤية المعتمدة على القراءة. وسأحاول هنا أن أحلل بعمق أكثر ما جاء في بنود هذه الرؤية.
من منظور عام، يمكن تقييم هذه الخطة على عدة مستويات:
أولاً: من الناحية الهيكلية حيث تعتبر الخطة شاملة وتغطي الجوانب العسكرية والسياسية والاقتصادية والإنسانية وتحاول تحقيق توازن بين مصالح الأطراف المختلفة وتقدم تسلسلاً منطقياً من وقف إطلاق النار إلى التطبيع وصولا للهدف النهائي المتمثل في البندين التاسع عشر و العشرون! والذي يتوافق مع المطالب الفلسطينية ومع الرؤية السعودية ومسار تنفيذ حل الدولتين.
ثانياً: من حيث نقاط القوة والتي تركزت في خمسة جوانب رئيسية، فقد ركزت في الجانب الإنساني على الإغاثة الفورية وإعادة الإعمار، وفي جانب المرونة فقد وفرت خيارات متعددة لأعضاء حماس ما بين العفو أو المغادرة، ومن الجانب الدولي، فقد دعت المجتمع الدولي للإشتراك في الضمان والتنفيذ، وجانب الواقعية، فقد إعترفت بالتعقيدات الأمنية مع محاولة معالجتها عبر طرق مختلفة، وأخيراُ جانب المرحلية أو الانتقالية فقد قامت بعمل التدرج المطلوب من الوضع الراهن إلى وضع أكثر استقراراً قد يؤدي لتنفيذ البندين التاسع عشر والعشرون كما أسلف.
ثالثاً: من حيث نقاط الضعف وجد الكثريين أن هناك إملاءات تفرض شروطاً على طرف دون آخر بشكل غير متوازن، بالإضافة للكثير من الغموض بحيث أتت العديد من البنود عامة وغير محددة زمنياً (وهذا مايسمى في علم السياسة بالغموض البَناء والذي اجده شخصياً من نقاط القوة !) وأيضاً موضوع الاستدامة، حيث أنها لا تضمن استمرارية الاتفاق مع تغير الحكومات، وأما فيما يتعلق بالجوهر السياسي فهي تؤجل قضية الدولة الفلسطينية إلى مستقبل غير مضمون.
رابعاً: المخاطر وتتمثل المخاطر الرئيسية في أمران هامان وهما صعوبة نزع السلاح في بيئة معقدة مثل غزة من ناحية، وإحتمال فشل النموذج الدولي في الإدارة.
ولكن أيضاً يجب القول أن هذه الخطة تطرح الفرصة الحقيقية للخروج من دوامة الصراع نحو آفاق يمكن أن تغير المعادلة الحالية والتي إستمرت لفترة طويلة من حيث أنها تقوم بإيقاف المعاناة الإنسانية فوراً، وتفتح آفاق للتنمية الاقتصادية وبناء الثقة الذي قد يؤدي لمفاوضات مستقبلية محددة الهدف.
دعونا الأن ندخل في الناحية التفصيلية للبنود والتي أردت أن أذكرها جميعها وبالتفصيل لأني أعتقد أن هناك كثيرين لم يقرأؤها ...
جاء البندان الأول والثاني ليمهدا للبند الثالث وما يتبعه حتى البند السابع عشر أي انه يضع الهدف أولاً وهو أن يصبح قطاع غزة خالياُ من التطرف والإرهاب ولا يشكل تهديداُ لدول الجوار ومن ثما يعاد تطوير القطاع لما فيه مصلحة سكانه، وجاء البند الثالث ليشرح كيفية تحقيق الخطوة الأولى لذلك والبنود التي تليه كما أسلفت تعبر عن باقي الخطوات للوصول للنقاط الأهم من وجهة نظري وهما البندان التاسع عشر والعشرون!
ولكن قبل ذلك يجب القول أنني اعتقد أن الرئيس ترامب قد وصل في نهاية المطاف وقبل وضع خطته لرؤية للوضع في قطاع غزة بطريقة صحيحة وهو أن هناك تخادم من نوع ما بين حماس وإسرائيل ويأتي في إطار إطالة الحرب معتمدين في ذلك على موضوع الرهائن الأحياء والأموات بالدرجة الأولى، وعليه فإن إفقادهم لهذه الأداة سيؤدي بكل تأكيد لإفقادهم الذرائع المطلوبة للإستمرار في الحرب وبالتالي سيؤدي لوقفها، وكذلك أعتقد أيضاً أنه وصل لقناعة مفادها أن هذه الحرب قد جاءت لإفشال أي محاولة للسير جدياً في طريق الحوار والسلام، بعد أن كان نتياهو محاصرا من قبل المعارضة وفي وضع متأزم قبل السابع من أكتوبر وقاب قوسين أو أدنى من السقوط، مما يؤشر لقرب سقوط اليمين الذي سبطر على السلطة لأكثر من 20 عاما، مع إمكانية وصول شخصيات سياسية قد يكون لديها الرغبة في تحقيق السلام والخروج من داومت العنف، وكذلك حماس التي أصبحت في وضع غير قادرة فيه على الإستمرار في حكم قطاع غزة بعد إزدياد المظاهرات الرافضة لما تقوم به في ظل إنسداد أي أفق سياسي أمامها، في حين أن الطرف الآخر المتمثل في السلطة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية رغم كل محاولات الاغتيال المعموي والمادي التي مارسها الاحتلال الإسرائيلي وحركة حماس وحلفائها الاقليميين، كانت تعمل بشكل حثيث على إيجاد أفق سياسي مبشر مع المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة ودول عربية أخرى قبل السابع من أكتوبر.
وعليه ولتحقيق البند الثالث والذي يعتبر مفتاح النجاح لما سيليه والذي يتطلب موافقة الطرفين على وقف إطلاق النار، كان على الرئيس ترامب أن يبذل الكثير من الضغوط على طرفي المعادلة، فمن ناحية شجعت الولايات المتحدة وإن بشكل غير ظاهر، أو لنقل غضت الطرف عن المسار الذي قامت به كل من المملكة العربية السعودية وفرنسا فيما يتعلق بمؤتمر تنفيذ حل الدولتين وصولاً لإعلان نيويورك وزيتدة الاعترافات بدولة فلسطين لجعلها أمرا واقعا غير قابل للإلغاء أو التجاوز، وأيضا إستمرار محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية في عملهم الهام لمحاكمة اسرئيل وعزلها وجعلها دولة منبوذة تمهيدا لمحاكمتها وذلك بهدف إحداث ضغط موازي للغط الأساسي الذي مارسه الرئيس ترامب مباشرة على الأطراف الأكثر تأثيرا على حركة حماس، مصر وتركيا وقطر، حيث أن تركيا تحتضن الذراع الاقتصادي والتمويلي لحركة حماس وقطر تحتضن الجناح السياسي، ومصر هي المفتاح الأساسي لكل ما يتعلق بقطاع غزة. وكل ذلك بعد أن تم تحييد إيران! وقد اثمر ذلك بالسيطرة الكلية للولايات المتحدة الأمريكية على طرفي الصراع فاحدثت وقف إطلاق النار، بحيث انه من المدهش أن ترامب نفسه هو من أعلن نيابة عن نتياهو في المؤتمر الصحفي عن قبوله بوقف إطلاق النار ولاحقا إعلان حماس عن قبولها بعد الضغط والتهديد.
ومن المثير هنا القول أن البند الثالث لا يتحدث عن وقف لاطلاق النار وإنما يتحدث عن "انتهاء الحرب"، وهذا يأتي في سياق ان هناك اطار أشمل ولا ينصب فقط حول وقف القتال، بالرغم من العنوان الذي تم اختياره للخطة. وقد لاحظت في البنود الأخرى انها تتناول مواضيع الإدارة المدنية اليومية وتشكيلها والاطار الاقتصادي وآلية عمله وهي في معظمها كما أرى تنطلق من مطالب فلسطينية نادت بها لقيادة الفلسطينية طوال الوقت الى حد ما!
أما في البندين الرابع والخامس فهي تتحدث عن تبادل الأسرى والجثامين، في حين يتحدث البند السادس عن إيجاد مخرج لحماس في تخييرها ما بين الإلتزام والعفو العام، او الخروج الآمن إلى دول مضيفة.
أما البند السابع والثامن، فمن وجهة نظري فهو مطلب فلسطيني أساسي متعلق بإدخال المساعدات وتوزيعها عبر وكلات الأمم المتحدة وإعاد تأهيل البنية التحتية من كهرباء ومياه وصرف صحي، وكذلك إعادة فتح معبر رفح بناء على إتفاق 2005، أي عودة السلطة، وهذا ما تم تأكيده لاحقاً.
أما البند التاسع فهو بند محوري يفصل دور وعمل كل من اللجنة الفلسطينية للحكم الإنتقالي، ومجلس السلام وأيضاً السلطة الفلسطينية، فقد حدد عمل اللجنة الفلسطينية في إدارة الحياة اليومية والخدمات العامة وشؤون البلديات تحت إشراف "مجلس السلام" لحين إستكمال السلطة الفلسطينية برنامجها الإصلاحي! "وبحيث تتمكن من إستعادة السيطرة على القطاع بشكل آمن وفعال" حسب ما ورد بدقة في النص. أم مجلس السلام فقد أنحصر دوره في الإشراف بشكل عام وفي وضع الإطار العام "لإعادة إعمار قطاع غزة وتمويلها".
أما البندين العاشر والحادي عشر فقد جاءا لتفصيل موضوعي الإستثمار والإقتصاد المستقبلي، اما في البند الثاني فقد عشر ركز على أن موضوع تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة قد أصبح من الماضي!
ومن وجهة نظرى الشخصية أن البندين الثالث عشر والرابع عشر إكتسبوا أهمية كبيرة حيث أنهم قدموا تفصيل مهم فيما يتعلق بأنه لا يوجد أي دور حماس وبأي شكل من الأشكال من ناحية ونزع السلاح وتدمير البنية التحتية من أنفاق وغيرها من ناحية أخرى، وأن يضمن الشركاء "الإقليميون" وفاء حماس والفصائل الأخرى بالتزاماتهم!
أما البند الخامس عشر فهو يعالج الشق الآخر من الموضوع العسكري والتدخل الدولي وهو إنشاء قوة إستقرار دولية "مؤقتة" تنحصر مهامها في تدريب قوات الشرطة الفلسطينية في غزة وتقديم الدعم لها بالتشاور مع مصر والأردن، و"تمثل الحل الأمني الداخلي على المدى الطويل"!
أم البند السادس عشر فهو يتعلق بالضمانات فيما يتعلق بإعادة إحتلال القطاع أو ضمه! وقد تميز هذا البند بالمرونة اللازمة بربطه بمعايير ومراحل وجداول زمنية يتم الإتفاق عليها بين إسرائيل وقوة الإستقرار الدولي والجهات الضامنة والولايات المتحدة الأمريكية وينص أيضا على الإنسحاب الإسرائيلي الكامل في مراحلته النهائية.
أما البند السابع عشر فقد ناقش موضوع تأخر حماس في الرد على المقترح أو رفضه، وأنه بغض النظر عن موقفها فإنه سيتم تنفيذ الخطة، وأعتقد أن هذا البند قد وضع حماس في الزاوية التي لم تستطيع الإفلات منها.
وبالنسبة للبند الثامن عشر فجاء ليمهد للبندين الأخيرين، والذي ينص على حوار الأديان وتعزيز ثقافة التسامح وما إلى ذلك والتي تأتي في إطار إعداد الرأي العام وتمهيد الطريق للدخول في موضوع السلام.
وأخيراً جاءا البندين التاسع عشر والعشرون ليشرحوا الهدف النهائي لكل ما سبق طرحه في كل البنود وهو توفير الشروط اللازمة لمسار موثوق يفضي إلى "تقرير المصير الفلسطيني ولإقامة الدولة الفلسطينية" حسب النص الرسمي وهو ما أقرت به الولايات المتحدة "كطموح مشروع للشعب الفلسطيني"، كما جاء في البند التاسع عشر وكيفية تحقيق ذلك في البند العشرين والذي ينص على " تقيم الولايات المتحدة حواراً بين إسرائيل والفلسطينيين للإتفاق على أفق سياسي للتعايش السلمي والإزدهار المشترك"، والذ يعبر عن الهدف النهائي كما تم طرحه في الرؤية السعودية!
وفي الخلاصة أقول إن الخطة تمثل رؤية ومحاولة طموحة للوصول لتنفيذ حل الدولتين وتقدم حلولاً عملية على الأرض وبتفاصيل مختلفة وفي كل النواحي، لكن يبقى نجاحها مرهون بقبول الأطراف المعنية الإستمرار فيها واستعدادهما لتقديم تنازلات كبيرة، وأيضاً بتوفر الإرادة الدولية الحقيقية لتنفيذها بشكل عادل والتي أرى أنها أصبحت تسعى بقوة لهذا المسار وتزداد قوة كل يوم. وعليه وبعد مرور خمسة وثلاثون عاماً على أخر طرح أمريكي في هذا المضمار والذي تمثل في مؤتمر مدريد للسلام، أصبح من الضرورة عدم تفويت الفرصة التاريخية السانحة الأن والرغبة الجامحة من المجتمع الدولي في تحقيقها بعد أن أهملها لفترة طويلة بل وتواطء مع إسرائيل لعدم تحقيقها وأنه يجب أن يتم التقدم في هذا المسار بالسرعة الممكنة، ويجب على حماس الإسراع بتنفيذ الشق الخاص بها في هذا الإتفاق، حيث أنها أصبت لا تملك أي أوراق يمكنها من خلالها التعطيل أو تغيير المسار وانما الى حد ما تأخيره تحت حجج مختلفة، وأعتقد أنه قد آن الأوان أن تغلب حماس مصلحة الشعب الفلسطيني على مصالحها الحزبية الضيقة ومصالح حلفاؤها من الإخوان المسلمين والقوى الإقليمية المختلفة.
ويبقى الغموض وعدم الوضوع في بعض الأمور مفتاح حقيقي لمختلف الأطراف لمحاولة تحسين الشروط بما يخدم مصالحها ولكن ضمن إطار الرؤية النهائية والمتمثلة بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية والتي لا أشك للحظة واحدة في أنها بإذن الله حاصلة لا محالة.
هذاالمقال يعبر عن وجهة نظري الشخصية ورؤيتي الخاصة
