أين "الجد" من "الهزل" في مشهدنا السياسي!

تابعنا على:   07:14 2015-01-05

كتب حسن عصفور/ قارب الاسبوع الأول على توقيع الرئيس الفلسطيني محمود عباس الانضمام لعدد من المؤسسات الدولية، ومنها المحكمة الجنائية الدولية على الانتهاء، وحتى تاريخه لم يحدث أي حادثة تشير الى أن الرئاسة الفلسطينية معنية باتخاذ خطوات داخلية لمواجهة المعركة "الكبرى" التي تحدث عنها الناطقون باسمها، وعدا الجلسة الاحتفالية للتوقيع وجلسة خاصة بحركة فتح، لم يكن هناك أي مؤشر على التحضير الوطني لتلك "المعركة"..

كان الاعتقاد أن ما حدث في مجلس الأمن، ثم التوقيع على الوثائق ذات القيمة السياسية التاريخية، سيفتح طريقا سريعا جدا نحو اعادة التراص الوطني الفلسطيني، وانتهاء مرحلة التجاذب السياسي الضار، وتوحيد كل الجهود خلف الرئيس محمود عباس ، رأس الشرعية في معركة "الحرية والاستقلال الوطني" ومطاردة دولة الاحتلال، حكومة وقيادة ومؤسسة امنية في قاعات "العدالة الدولية" تحقيقا لحلم أحفاد شهداء وضحايا الجرائم اللامنتهية التي ارتكبتها دولة الكيان الاسرائيلي..

لكن المفارقات السياسية، التي لن تجد لها مكانا في عالم اليوم  سوى في "بقايا الوطن" الفلسطيني، ان يتم اختزال المؤسسات الفلسطينية الرسمية كافة، منظمة وسلطة، فصائل وقوى بمختلف مسمياتها وأشكالها، موالاة ومعارضة، واخرى حائرة بين هذا وذاك، تحسبا لما سيكون، بمسرحية "وان مان شو" – عرض الرجل الواحد -، مؤديا ومغنيا، بالطبع ليس ملحنا لأنه الملحن يقبع في مكان بعيد عن العرض القائم، خلف الكواليس..

وبدلا من اعادة الفعل للمؤسسة الشرعية لقيادة التحرك السياسي الجديد، اكتفى الرئيس محمود عباس بتصدير أحد أعضاء "خليته" لتقديم ما يجب تقديمه كلاما في اتجاهات عامة، متجاهلا بطريقة تثير كل الشكوك أمام هذا الذي يحدث، وكأن "الشرعية الرسمية الفلسطينية" باتت في علم الغيب، او ضمير الغائب، الذي لا مكان له في الحاضر السياسي الذي يريده الرئيس عباس وخليته المحدودة جدا..

كيف يمكن أن يصدق الفلسطيني العادي، أن هناك معركة سياسية حقيقية بين الشرعية الفلسطينية ودولة الكيان، او الموقف الأميركي، ومؤسسات "الشرعية الفلسطينية" لا مكان لها في المعركة الأهم مصيريا لو صدقت التصريحات المنطلقة من بعضهم..هل يمكن اعتبار أن تغييب الإطر الوطنية عن أي دور فاعل أو شبه فاعل شكلا من أشكال وضع المسألة في نطاق محسوب وتحت السيطرة، ولقطع الطريق الى تحويلها الى معركة شاملة متواصلة، وفقا لما كان يوما متفق عليه وطنيا..

ولأن المشهد ليس تغييبا للإطر وحسب، بل هناك تلاعب بشكل مستفز جدا بالحقيقة السياسية الوطنية، بأن يخرج الرئيس عباس وناطقه الخصوصي، في عرض " وان مان شو" المتواصل بلا انقطاع منذ ايام، ويعلنا ان "القيادة" تدرس اعادة الذهاب الى مجلس الأمن مرة ثانية وتقديم ذات المشروع عله ينال الموافقة..

اي كارثة تلك التي ينطق بها الرئيس وتابعه، فيما يقولون أنه مشروع فلسطيني، وأن "القيادة" تدرس، اي مصيبة سياسية ستحل بالوطن والقضية في ظل هذا التمسك بنص لا يوجد به ما يمكن اعتباره وثيقة وطنية فلسطينية، ولحسن الحظ أن النص بات متوفرا لكل ابناء الشعب، ولم يكن عفويا ولا مصادفة أن لا تعارض الولايات المتحدة جوهر المشروع العار، ولا يوجد بندا واحدا به يناقض الموقف الأميركي، بل هو ترجمة عربية ربما رديئة ايضا لذات الموقف..

هل نحن أمام حركة مسرحية متقنة تختفي خلف الاستجابة "الشكلية" لبعض ما يبحث عنه الشعب الفلسطيني بالتوقيع على معاهدات ووثائق، ثم تبدأ رحلة تمرير الكارثة تحت غطاء من الزيف المتشدد، هل يستغل التوقيع على طلب الانضمام لمعاهدة روما والمحكمة الجنائية لابقاء مشروع "بلفور 2" حيا قائما لتصفية القضية الوطنية، ودون أن تتقدم فلسطين بأي قضية حقيقية للمحكمة الجنائية تحت بند "اجراءات"، وهي المسألة التي  يعرفها جيدا القانونيين والحقوقيين، فالتوقيع بذاته يمنحك الحق بالملاحقة، لكنه يصبح بلا قيمة إن لم تتقدم بقضايا محددة للمحاكمة..

كيف يمكن الحديث عن العودة لمجلس الأمن بمشروع لا يوجد وطني فلسطيني أو فصيل أو مؤسسة غير الخلية اياها، تقف معه، وهل الاصرار عليه جزءا من "صفقة مخفية"، تدور من خلف المؤسسة الوطنية الفلسطينية، ولماذا كل هذا الاصرار على ادارة الظهر للمؤسسة الشرعية والفصائل الوطنية، وكيف لمن يتحدث عن "المعركة الكبرى" لا يبحث عن تجنيد كل الطاقات لها..

هل يعقل أن ما يحدث من عبثية في التعامل مع الكل الفلسطيني بهذا الشكل جزءا من خوض معركة، أم أن هناك ما يحدث خلف الكواليس يرسل "طمأنينة سياسية" لا يعلمها الا من هم "اهل الرضا"..

لكي لا يصبح "الشك السياسي يقينيا"، يصبح واجبا وطنيا على الرئيس عباس أن يحترم الشرعية بإطرها كافة، وأن يعلن سحب المشروع المشبوه وطنيا، وأن يتوقف عن لعبة مجلس الأمن ويشتق الطريق الذي تحدثت عنه كل الفصائل بما فيه حركة فتح، وأن يبدأ "ورشة العمل الوطني" لتنفيذ ما يجب تنفيذه للبرنامج الوطني ومتابعة تعزيز مكانة دولة فلسطين، والاستعداد الشامل لتقديم القضايا التي يجب تقديمها للمحكمة الجنائية، وتشكيل لجان مختصة لهذا العمل الكبير والدقيق..

ليس رفاهية القول أن العمل الفلسطيني يتطلب اعادة تقييم جاد للعلاقة الفلسطينية العربية، بعيدا عن الاستهتار والتعالي غير المبرر، وقبل كل ذلك اعادة الاعتبار لملف انهاء الانقسام بكل ما يلزم عمله، والتحضير لدولة فلسطين في ارض فلسطين بما تطلبه ذلك من فعل سياسي وقانوني..

ما حدث ويحدث حتى ساعته لا يؤشر مطلقا أن هناك "معركة وطنية كبرى"، بل هناك عرض سياسي يفتح كل "الشكوك المشروعة"، ما لم يتوقف الهزل القائم ويحضر الجد الغائب..وغيرها لا يشفع الاختباء خلف تصريحات وحركات قد تقود الى كارثة لا بعدها كارثة..

الخيار بيد الرئيس محمود عباس: الى أين تذهاب بعد الآن؟!

ملاحظة: اليس مثيرا للدهشة أن لا يتفق الناطقين باسم الرئيس عباس وفريقه على عدد ما تم توقيعه من معاهدات ومنظمات..البعض يقول 20 وأخرين 18..هل هي معقدة الى هذا الحد..أم هي مظهر لمسرحية "الرجل الواحد" الذي يعلم دون غيره!

تنويه خاص: من حق أي وكالة انباء نشر اي خبر..لكن عندما تصر تلك الوكالة على نشره بعد افتضاح أمره بأنه كاذب يصبح الاصرار على نشر الكذب وليس التكذيب، ليس خبرا بل "تنكيلا" مقصودا..خبر دحلان ليبرمان في وكالة فلسطينية رسمية نموذجا!

اخر الأخبار