حين يُلقى الشعب في المزابل… فمن يملك بعد اليوم حقّ الكلام عن المسؤولية؟
سامي إبراهيم فودة
أمد/ لم يعد الوجع حدثاً عابراً في غزة، بل صار قدراً مفروضاً على الناس بقسوة لا تشبه إلا عجز من بيدهم القرار. ما عاد الأمر يستوعب أعذاراً ولا تبريرات باهتة؛ فحين تصل بنا الحال إلى أن يبحث النازح المنهك بين أكوام النفايات عن لقمة نجت من الفساد أكثر مما نجت من الجوع—عندها تسقط الأقنعة، وتنكشف الحقيقة: هناك من ترك هذا الشعب وحيداً في مواجهة الجوع والذل، حتى بات الموت أهون من العيش.
انتهى الكلام.
انتهى منذ اللحظة التي صادرت فيها الجهات المسؤولة أطناناً من لحوم الدجاج الفاسد، ثم—بدلاً من إتلافها بطريقة آمنة—ألقتها في مكبات النفايات التي تخنق الأزقة، وتصل روائحها إلى بيوت الفقراء المنهكين.
انتهى الكلام حين تحوّلت مشاهد المزابل إلى طوابير انتظار لجياع يبحثون بين القاذورات عن ما يسد الرمق.
صورة واحدة منها تكفي لتخزي جيلاً كاملاً من المتسببين، وتفضح حجم الفشل الذي وصلنا إليه.
أيّ قلب يتحمّل أن يرى أمّاً تبحث بيديها المرتجفتين بين القمامة لتنتشل قطعة لحم فقدت قيمتها وصحتها، لكنها لم تفقد بالنسبة لها معنى “الطعام”؟
أيّ ضمير يستطيع أن يقف ساكناً أمام رجلٍ مكسور، يفتش عن ما تبقى من غذاء قُذِف في الشوارع كما تُقذف الكرامة؟
المشهد لم يكن مجرد خطأ إداري…
ولم يكن مجرد سوء تقدير…
إنه صورة وطنٍ جُرِّد من حقه في الحياة الكريمة، وصار يرى بعيونه—لا عبر الشاشات—حجم الانهيار الذي يلتهم ما تبقى منه.
كيف وصلنا إلى هنا؟
كيف صار الجوع أقوى من الخوف من المرض، وأقوى من الفساد نفسه؟
من المسؤول عن هذا الانحطاط الإنساني؟
من ترك الناس تواجه الجوع بالمزبلة، بدل أن تواجهه بسياسات ورقابة ورحمة؟
المشهد موجع…
لكن الأكثر وجعاً هو الصمت، والتهرّب، والمبررات الجاهزة، والوجوه التي تدّعي الحرص صباحاً وتترك شعبها ينهش القمامة مساءً.
في ختام سطور مقالي:
لسنا أمام حادثة عابرة…
نحن أمام جرس إنذار أخير: إن لم تستيقظ الضمائر اليوم، فلن يبقى ما يُنقذ غداً.
الجوع لا ينتظر، والكرامة لا تُرمَّم، والوجع لا يعود إلى الوراء.
حسبنا الله ونِعم الوكيل…
ليس دعاءً على أحد، بل صرخة في وجه كل من تسبّب، تجاهل، قصّر، أو صمت.
صرخة تقول:
ارحموا هذا الشعب… ففي كل مشهد مزبلةٍ، كرامةُ وطنٍ تُدفن حيّة.
