صرخة الشمال… إلى كل من يمتلك ضميرًا وسلطة وقرارًا: أنقذوا ما تبقى من الشمال المنسي
سامي إبراهيم فودة
أمد/ يا أصحاب القرار، يا من بأيديكم مفاتيح النجاة، ويا من تجلسون على مقاعد المسؤولية وتسمعون ألف صوت ولا تسمعون أنين الشمال… هذه صرخة، ليست صرخة قلم ولا حبر ولا كلمات، بل صرخة بشرٍ أنهكتهم الحياة وداستهم الكوارث، صرخة أحياءٍ يعيشون في ركامٍ مفتوح على السماء، محاصرون بالتهميش، منسيّون خلف الخط الأصفر وكأنهم خارج حدود الاهتمام، وخارج دوائر الإنسانية.
الخطاب:
إلى كل جهة اختصاص، إلى كل مؤسسة إنسانية وإغاثية، إلى كل مبادر، إلى كل من لا يزال في قلبه مساحة تستوعب الألم:
إنّ مناطق الشمال، وأخصّ بالذكر المخيّمات المنكوبة وأطراف مخيم جباليا والمناطق المحيطة به، لم تعد مجرد جغرافيا متعبة؛ بل أصبحت رمزًا لخذلانٍ لا يليق بشعب قدّم ما لم يقدّمه أحد، ودفع ثمنًا يفوق احتماله بكثير.
هذه المناطق تُركت تقاتل وحدها، تعيش على هامش الخريطة، وتواجه مصيرًا مُظلِمًا أشبه بفراغٍ متعمَّد، وكأن هناك من يرى أن الشمال يجب أن يبقى صامتًا، مُفرغًا من أهله، بلا صوت، بلا سند، وبلا حق في الحياة.
إنّ "حصة الأسد" من الإغاثة، ومن الاهتمام، ومن إعادة التأهيل، تذهب كل يوم إلى أماكن أخرى رغم تقديرنا لحاجتها، بينما الشمال يصارع ليبقى على قيد الحياة، رغم أنه الأكثر ألمًا والأشد دمارًا والأفقر دعمًا.
مصيبة الشمال الأكبر أنه فقد معظم صفوفه القيادية، فغابت عنه الأصوات التي كانت تقف على الأبواب وتدقّ الطاولات وتصرخ لحقوق الناس. فصار بلا وساطة، بلا نفوذ، بلا من يدافع عن الذين صمدوا والذين عادوا والذين ينتظرون فرصة العودة إلى منازل قد لا تكون أكثر من جدارٍ يتيم.
أهالي الشمال اليوم يعيشون ظروفًا مأساوية لا تخفى على أحد:
– انعدام مقومات الحياة الأساسية
– ندرة المياه والغذاء
– غياب الخدمات
– دمار شامل يمنع حتى الحلم بالنجاة
– وموجات نزوح لا تتوقف إلا لتبدأ من جديد
أين أنتم؟
أين الضمائر التي لا تزال تصدّق أن الإنسان يستحق أن يعيش؟
أين المؤسسات الدولية والإغاثية التي تعلن في بياناتها دعم "كل الفلسطينيين"؟
أين المبادرات التي تتفاخر بأنها "لا تترك أحدًا خلفها"؟
والشمال اليوم… متروك خلف كل شيء!
نطالبكم — بل نناشدكم بلسان الناس قبل لسان الكلمات — أن تمدّوا أعينكم إلى الشمال، أن تذكروا هذه المناطق في تقاريركم وتوصياتكم، أن تجعلوها أولوية إنسانية عاجلة، وأن تنصفوا أهلها الذين صبروا، وثبتوا، وقرروا البقاء رغم كل ما حولهم من موتٍ وخراب.
ارفعوا الظلم عن الشمال.
اعيدوا الاعتبار لأهله.
ادعموا من عاد ومن يريد العودة ولا يجد حتى ما يسدّ رمقه أو يقيه البرد أو يوفر له سقفًا يليق بكرامته الإنسانية.
هذه ليست كلمات…
هذه آخر ما تبقى في قلوب الناس من رجاء.
والله على ما نقول شهيد.
