جيل الثمانينات وصورة "فتح" بين الحقيقة والخيبة
داليا العفيفي
أمد/ نحن جيل الذي ولد في الثمانينات، الجيل الذي بدأ حياته فوق ركام الدم ، ولم يعرف طريق الهدوء يومًا. جيلٌ لم يدخل حركة "فتح" على يد منظّم أو مسؤول، ولم يُقاد إلى الانتماء بخطاب تعبوي أو وعدٍ بمصلحة؛ بل دخلها بالفطرة، بالدافع الوطني الخالص، وبالإيمان بأن هذه الحركة كانت ولا تزال في جوهرها مشروعًا وطنيًا جامعًا لكل الفلسطينيين.
لكن المؤسف أن ما عايشناه لم يكن يشبه ما سمعناه عنها يومًا. وجدنا السيّئ، ثم عرفنا الأسوأ للاسف. شاهدنا بأعيننا ضياع الحركة وتشرذمها، وتيه البوصلة بين أفرادها بتقديم المصلحة الخاصة على المصلحة العامة بدلا من إعلاء النجن العليا على الأنا الدنيا، مما خلق اختلاط المفاهيم التي كانت يومًا أساس الفكرة. لم نكن نعلم أن "فتح" قد تتحول لدى البعض إلى مصدر للحصول على المكاسب مال ومكانة، وأن الانتماء إليها قد يُصبح بوابة للجاه والنفوذ، بدل أن يكون عبئًا وواجبًا وتضحية كما عرفناها في الماضي.
نحن الجيل الذي تربّى على أن "فتح" تدفع ثمنًا لا تتقاضاه، وأن أبناءها يعطونها أكثر مما يأخذون. كانت فتح بالنسبة لنا حضانة جامعة ، أمًا واسعة الذراعين تستقبل الجميع، لا حركة منفّرة ولا طاردة. حركة بنت الهوية والنضال، لا الحسابات الشخصية.
اليوم، نكتب هذا الكلام ليس من باب الهجوم ولا جلد الذات، بل من باب الحرص. الحرص على تاريخٍ نحترمه، وعلى إرثٍ حمله رجالٌ ونساء دفعوا دمائهم وأعمارهم وأحلامهم ثمناً له. نكتب لأن ((الصورة الذهنية)) لدى الجيل الجديد تكاد تترسخ بصورة مشوّهة، لا تشبه فتح الثورة، ولا فتح الوطنية الفلسطينية، ولا فتح التي جمعت شعبًا كاملًا تحت مشروع واحد.
لذلك، فإن مسؤولية أصحاب التاريخ النظيف، وأصحاب الضمائر الباقية على قيد الحياة تالتي لم تُبع ولم تُساوم، كبيرة اليوم. هؤلاء الذين ما زالوا يمثلون جوهر الفكرة الأصيلة، مدعوون لإعادة تصحيح المشهد، ولإحياء فتح كما كانت، حركة الناس، حركة البساطة والصدق، حركة الكلمة التي تُشعل الطريق و لا تملأ الجيب.
إن إعادة الاعتبار للصورة الحقيقية لا يكون بالشعارات، بل بالسلوك. و العودة إلى الأخلاق التي تأسست عليها الحركة، وبمحاسبة الفساد، وبفتح الباب أمام الجيل الجديد ليعرف فتح كما عرفناها نحن أول مرة فكرة لا تُباع، وانتماء لا يُستغل، ورسالة لا تموت.
هذا الجيل لا يزال يؤمن بأن فتح ليست كذلك، ولم تكن يومًا كذلك. وما نرجوه قبل فوات الأوان أن تستعيد الحركة وجهها الحقيقي الذي أحببناه.
