شبكات التضليل والإعلام المأجور… معركة الوعي في مواجهة محاولات اختراق الساحة الفلسطينية

تابعنا على:   14:27 2025-12-06

علي أبو حبلة

أمد/ تعيش الساحة الفلسطينية في هذه المرحلة الدقيقة واحدة من أكثر موجات الاستهداف خطورة، ليس فقط على مستوى العدوان الميداني المباشر، بل على مستوى الهجوم الممنهج على الوعي الفلسطيني عبر شبكات إعلامية موازية تعمل في الخفاء، وتتغذى على المال السياسي المشبوه، وتنفّذ حملات تضليل وفبركة منظمة تستهدف وحدة المجتمع وثقة المواطن بمؤسساته الوطنية.
هذه الظاهرة التي تتصاعد بوتيرة مقلقة لم تعد مجرد تجاوز إعلامي، بل تحوّلت إلى منظومة متكاملة من “الإعلام المأجور”، الذي يتقاضى بعض القائمين عليه أموالًا مقابل تنفيذ أجندات شخصية أو حزبية أو خارجية، ما يجعلهم جزءًا من منظومة تضليل تمسّ الأمن الوطني وتستهدف صمود الشعب الفلسطيني في لحظة استثنائية من تاريخه.
إعلام مأجور… أدوات مموّلة لا مهنة ولا رسالة
تُظهر المؤشرات وجود منصات وأفراد ينشطون عبر مواقع التواصل والصفحات الرقمية ويتلقّون تمويلًا مقابل:
تسويق الأخبار المضللة وترويج الروايات المفبركة،
تشويه السمعة والإساءة المنظمة لمؤسسات وطنية وشخصيات عامة،
تضخيم الخلافات الداخلية وتغذية الانقسام،
تحويل النقاش العام إلى ساحة فوضى تخدم مصالح أطراف نافذة.
ويستند هؤلاء إلى أساليب مدروسة تبدأ من إخفاء مصادر تمويلهم، ولا تنتهي عند هندسة حملات موجهة تستهدف نقاط الضعف داخل المجتمع الفلسطيني، مستغلّين الانقسام السياسي، وتعقيدات المشهد الداخلي، والظروف الاقتصادية الصعبة.
لقد شكّل هذا كله شبكة عنكبوتية منظمة، تتشابك فيها المصالح وتتداخل فيها الأدوار، بما يحول هذه المنصات إلى أبواق تُستخدم لتصفية الحسابات أو لبناء نفوذ زائف يقوم على الإشاعة لا على المعلومة.
البوصلة الوطنية… ومحاولات حرف المسار
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تعمل على حرف البوصلة الوطنية عن مركزها الطبيعي: مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وكشف ممارساته وانتهاكاته وجرائمه.
فالاحتلال يدرك أن اختراق الوعي وتفكيك الجبهة الداخلية لا يقل تأثيرًا عن أي هجوم عسكري أو سياسي، ولذلك يسعى دائمًا لاستثمار:
الفجوات الداخلية، ضعف الرقابة الإعلامية،قابلية بعض الأفراد للارتباط بالمال السهل،البيئة الرقمية المفتوحة دون ضوابط مهنية.
وفي الوقت ذاته، يجد المرتزقة في هذه البيئة فرصة لضرب السلم الأهلي، وتشويه الحقائق، وإضعاف الروح المعنوية، وتوجيه النقاش العام نحو معارك جانبية لا تخدم إلا من يقف وراءهم.
الإطار القانوني والمساءلة… حماية للمصلحة الوطنية
القوانين الفلسطينية واضحة في منع ومعاقبة أي سلوك إعلامي يهدف إلى التضليل أو الإضرار بالآخرين، وتشمل:
1. قانون المطبوعات والنشر
يُجرّم نشر المعلومات غير الدقيقة أو التي من شأنها الإضرار بالمجتمع أو بثّ الفوضى.
2. القانون الأساسي الفلسطيني
يكفل حرية التعبير، لكنه يمنع استخدامها للإساءة، أو للإضرار بالأمن الوطني، أو للتحريض.
3. قانون الجرائم الإلكترونية
يوفّر الأدوات القانونية لملاحقة الحسابات التي تتلقى تمويلًا لنشر معلومات مضلّلة، ويسمح بتتبع حركة الأموال والمستخدمين الذين يقفون وراء حملات التشويه.
4. مواثيق الشرف الإعلامي
تعتبر قبول المال مقابل صناعة محتوى مضلل خرقًا خطيرًا لأخلاقيات المهنة.
إن تفعيل هذه القوانين ومحاسبة كل من يسيء استخدام المنابر الإعلامية أو الرقمية أصبح ضرورة لحماية الساحة الفلسطينية من الاختراق والتلاعب.
مواجهة الطابور الخامس الإعلامي
إن وجود شبكات إعلامية مأجورة لا يمثل فقط انحرافًا أخلاقيًا أو فسادًا مهنيًا، بل يشكل امتدادًا لما يمكن وصفه بـ الطابور الخامس الذي يستثمر في:
إضعاف الوحدة الوطنية، بثّ الإشاعات لإرباك المجتمع،خلق بيئة عدم ثقة بين المواطن ومؤسساته، تحويل النقاش السياسي إلى سجالات سطحية وعقيمة.
ولذلك، فإن مواجهة هذه الظاهرة ليست خيارًا، بل واجب وطني يأخذ بعدًا قانونيًا وسياسيًا وإعلاميًا في آنٍ معًا.
خارطة طريق لمواجهة الإعلام المأجور
تتطلب المرحلة إطلاق خطة وطنية شاملة تشمل:
1. تفكيك الشبكات المأجورة عبر كشف مصادر تمويلها وملاحقة القائمين عليها.
2. تعزيز الإعلام المهني الوطني الذي يقوم على المعلومة الدقيقة والبحث والتحقق.
3. إطلاق حملات توعية عامة لمواجهة الشائعات وتحصين الجمهور.
4. وقف تدخل المال السياسي والإعلامي في تشكيل رأي الجمهور.
5. إنشاء وحدات رصد قانونية لمراقبة المحتوى المضلل وإحالة المخالفين للعدالة.
6. حماية الصحفيين المهنيين الذين يقومون بدورهم في كشف الحقائق.
خاتمة
إن حماية الوعي الفلسطيني اليوم هي خط الدفاع الأول في مواجهة الاحتلال والمشاريع التي تستهدف صمود الشعب الفلسطيني.
وعندما يتحول الإعلام إلى ساحة يديرها المرتزقة، يصبح كشف هذه الشبكات ومحاسبتها ضرورة لا تحتمل التأجيل.
ليس كل من يملك صفحة إعلاميًّا، ولا كل من يرفع شعار الوطنية يحمل مشروعًا وطنيًا.
الوطن يحميه من يلتزم الحقيقة… لا من يبيعها.
والوعي يصونه من يدافع عنه… لا من يتاجر به.

اخر الأخبار