الفأر في المصيدة
علي ابوحبله
أمد/ مقدمة
في عالم السياسة المعاصرة، لا تُدار الأزمات دائمًا بالانفجار، بل كثيرًا ما تُدار بالاحتواء المحسوب، وببناء مصائد ناعمة تُقنِع الفاعلين بأنهم يملكون خيارات، بينما تتحكم في مسارهم وحدود حركتهم. وتُعد استعارة “الفأر في المصيدة” توصيفًا دقيقًا لهذا النمط من الإدارة السياسية–القانونية، حيث يُستبدل الإكراه الصريح بإكراه منظم، مغلف بالقانون، ومسوّق بخطاب الاستقرار والشرعية.
هذه المصائد لا تهدد الفاعلين المحليين وحدهم، بل تُنتج تداعيات تتجاوز الحدود، وتمسّ جوهر الأمن والسلم الدوليين.
من بناء الإطار إلى إحكام القيد
تبدأ المصيدة حين يتحول الإطار القانوني والسياسي من أداة تنظيم إلى وسيلة ضبط. تُسنّ القواعد، أو يُعاد تفسيرها، بما يكرّس واقعًا غير متكافئ، ويُقنّن الاستثناء، ويُفرغ المبادئ القانونية من مضمونها، مع الإبقاء على شكلها الإجرائي.
في هذا السياق، لا يُلغى القانون، بل يُعاد توظيفه. فيصبح الامتثال شرطًا للحصول على الحد الأدنى من الاستقرار، بينما يُعاقَب أي خروج عن الإطار، لا باعتباره مخالفة قانونية فحسب، بل بوصفه تهديدًا للنظام العام.
وهم الخيارات وإدارة الصراع
تقوم المصيدة السياسية على إنتاج وهم الخيارات. يُخيَّر الفاعل بين بدائل متعددة ظاهريًا، لكنها جميعًا تقع ضمن السقف ذاته. ويتحول النقاش من البحث عن حلول عادلة ومستدامة إلى مفاضلة بين كلف متفاوتة.
هكذا تُدار الصراعات بدل حلّها، وتُرحَّل الأزمات بدل معالجتها. ويُستبدل مفهوم التسوية العادلة بمنطق “إدارة المخاطر”، بما يضمن استمرار الوضع القائم ضمن مستوى يمكن التحكم به دوليًا، ولو على حساب العدالة والاستقرار طويل الأمد.
البعد القانوني الدولي: شرعية منقوصة
على المستوى الدولي، تبرز إشكالية خطيرة حين تُمنح الشرعية لإطارات سياسية–قانونية لا تستند إلى العدالة، بل إلى ميزان القوة. فتصبح القرارات الدولية انتقائية في تطبيقها، ويُغضّ الطرف عن انتهاكات جسيمة، بينما يُشدَّد على الامتثال في حالات أخرى.
هذا الخلل لا يضعف القانون الدولي فحسب، بل يقوّض الثقة بمنظومة الأمن الجماعي، ويفتح الباب أمام سابقة مفادها أن القانون قابل للتأويل وفق المصالح، لا المبادئ.
انعكاسات المصيدة على الأمن والسلم الدوليين
إن أخطر تداعيات المصائد السياسية–القانونية تكمن في أثرها التراكمي على الأمن والسلم الدوليين، حيث:
تُغذّي الإكراهات المزمنة بؤر توتر قابلة للانفجار في أي لحظة.
تُنتج شعورًا بالظلم وانعدام الأفق، ما يهدد الاستقرار الإقليمي والدولي.
تُضعف الثقة بالقانون الدولي كمرجعية ناظمة للعلاقات بين الدول.
تُكرّس منطق القوة على حساب الشرعية، بما يفتح المجال لصراعات أوسع.
فالأمن لا يُبنى على إدارة الأزمات إلى ما لا نهاية، بل على معالجتها من جذورها.
بين كسر المصيدة وحماية النظام الدولي
لا يعني تفكيك المصيدة الدعوة إلى الفوضى أو تقويض النظام الدولي، بل على العكس، يعني استعادة جوهر هذا النظام. فالحفاظ على الأمن والسلم الدوليين يقتضي:
إعادة الاعتبار لمبادئ العدالة والمساءلة وعدم الإفلات من العقاب.
الفصل بين الاستقرار الظرفي والاستقرار المستدام.
رفض تحويل القانون إلى أداة إكراه، والعمل على توحيد معايير تطبيقه.
تعزيز الحلول السياسية القائمة على الحقوق، لا على موازين القوة وحدها.
خاتمة
إن أخطر ما تواجهه المنظومة الدولية اليوم ليس الصراع بحد ذاته، بل تطبيع المصائد بوصفها حلولًا. فالتاريخ يثبت أن المصائد قد تنجح مرحليًا في ضبط الأزمات، لكنها تفشل استراتيجيًا في صناعة السلام.
وفي السياسة كما في القانون، لا يُقاس النجاح بقدرة “الفأر” على التعايش داخل المصيدة، بل بقدرة النظام الدولي على تفكيكها، قبل أن تتحول إلى تهديد شامل للأمن والسلم الدوليين.
