"القيم عند الحاجة،والقوة عند المصلحة "
عبد اللطيف ابوضباع
أمد/ في كل مرة تقف فيها الولايات المتحدة لتلقي على العالم دروسها المعتادة في الديمقراطية وحقوق الإنسان، يخيّل للناس أنها الحارس الأمين على أبواب العدالة، والمرجع الأخلاقي الأعلى الذي لا يخطئ ميزانه.
لكن ما إن تُمسّ مصالحها، أو يلوح في الأفق رصيد جديد من النفط والذهب، حتى يتبدّل المشهد: تتراجع المبادئ إلى الصفوف الخلفية، وتتقدم القوة إلى منصة القرار، فيظهر وجه آخر لا يشبه الخطب المنمّقة ولا البيانات المذهّبة.
ما حدث في فنزويلا مثال صارخ على هذا التناقض.
عملية عسكرية خاطفة، تُقتاد فيها دولةٌ ذات سيادة إلى غرفة الترتيب الدولي كما يُقتاد المتهم إلى التحقيق. تُعتقل القيادة، وتُنصّب أخرى، ثم تُصاغ القصة بطريقة تبدو — في الرواية الرسمية — دفاعًا عن الديمقراطية ومحاربة للاستبداد.
لكن خلف هذا السرد اللامع تقف حقائق لا تحتاج كثير جهد لكشفها: ثروات هائلة تتنوّع بين النفط والغاز والمعادن النادرة، وبلد يشكل موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية في رقعة النفوذ الأمريكي.
لم تكن العملية مجرد “تدخل لإنقاذ شعب”، ولا “تصحيح مسار لدولة متعثرة”، كما يحلو للبعض أن يصفها.
كانت أقرب إلى قرصنة سياسية تتدثر برداء الفضيلة، وإلى بلطجة دولية تمارسها القوة الكبرى حين تطمئن أن القانون الدولي أضعف من أن يردعها، وأن العالم مشغول بما يكفي ليمرّر فعلًا بهذا الحجم دون مقاومة تذكر.
أمريكا — وهي الدولة التي قدّمت نفسها طويلًا باعتبارها مهندس النظام الدولي — تعيد اليوم إنتاج القاعدة القديمة ذاتها:
“القيم عند الحاجة، والقوة عند المصلحة.”
فهي تدافع عن الديمقراطية حين تكون أداة ضغط، وتلوّح بالعقوبات حين تكون وسيلة ابتزاز، ولا تتردد في استخدام القوة المباشرة عندما تلوح أمامها جغرافيا واعدة بثروات جديدة.
في خضم هذا المشهد، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه:
كيف يمكن للعالم أن يثق بخطاب قيم تُنتهك في اللحظة نفسها التي تُلقى فيها؟
وكيف يُبنى نظام دولي عادل بينما معيار القوة لا يزال هو الحاكم الفعلي لمسار الأحداث؟
إن ما جرى في فنزويلا لا يخصّ الفنزويليين وحدهم؛ بل يخصّ كل دولة صغيرة تُدرك أن أمنها مرهون بتقلبات المزاج الدولي، وكل شعب يسأل نفسه اليوم:
هل ما زال للسيادة معنى؟
أم أن الكلمة الفصل باتت تُنطق حيثما تحط طائرات المارينز؟
لقد علمتنا التجارب أن السياسة الدولية ليست مسرحًا للأخلاق، لكنها — على الأقل — كانت تحاول التظاهر بذلك.
أما اليوم، فقد سقط القناع، وباتت الحقيقة عارية:
إنه زمن المصالح العارية، وزمن القوى التي تمضي في طريقها غير آبهة بما تتركه خلفها من دول مكسورة وشعوب مذهولة.
وفي هذه اللحظة الفاصلة، يبقى الصوت الحر واجبًا، والكلمة الصادقة ضرورة، لعلّ العالم يفيق من سباته، ويدرك أن المبادئ ليست رفاهية، وأن العدالة — مهما تأخرت — لا تموت، بل تنتظر أن يجد من يتجرأ على الدفاع عنها.
