أزمة مشروع أم أزمة سلطة؟ أسئلة حول مسار حماس الحالي
أسامة الأطلسي
أمد/ على مدى سنوات طويلة، قدّمت حركة حماس نفسها بوصفها حركة مقاومة ذات مرجعية دينية وعسكرية وأيديولوجية واضحة، ترفع شعارات التحرير الكامل، وترفض أي تسويات سياسية، وتؤكد اعتمادها على القوة كخيار وحيد في مواجهة إسرائيل. غير أن المشهد الحالي، كما يراه كثير من المراقبين، يعكس تحولًا جذريًا في خطاب الحركة وممارساتها، يطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة دورها اليوم وأولوياتها الفعلية.
تراجع الخطاب الأيديولوجي وصعود البراغماتية السياسية
يرى منتقدو الحركة أن حماس تخلّت تدريجيًا عن كثير من مرتكزاتها الأيديولوجية السابقة، سواء الدينية أو العسكرية، لصالح خطاب سياسي أكثر براغماتية، يركّز على إدارة الواقع القائم بدل تغييره. فبدل الحديث عن التحرير والمواجهة المفتوحة، بات الخطاب يتمحور حول التهدئة، وتبادل الرسائل غير المباشرة، والسعي للحفاظ على الوضع القائم في جزء من قطاع غزة.
هذا التحول، بحسب محللين، لا يعكس مراجعة فكرية معلنة بقدر ما يعكس محاولة للتكيّف مع موازين قوى مختلّة وضغوط إقليمية ودولية متزايدة.
الرهان على الضغط الأميركي… مفارقة الخطاب والممارسة
من أبرز مظاهر هذا التحول، اعتماد الحركة — بشكل غير مباشر — على الضغط الأميركي لكبح إسرائيل، وهو أمر يتناقض جذريًا مع الخطاب التقليدي الذي طالما قدّم الولايات المتحدة كطرف منحاز وعدو سياسي. ويرى مراقبون أن هذا الرهان يعكس محدودية الخيارات المتاحة أمام الحركة، أكثر مما يعكس قناعة سياسية جديدة.
في هذا السياق، تبدو الحركة وكأنها انتقلت من منطق الفعل إلى منطق الانتظار، بانتظار تدخلات خارجية تفرض حدودًا للصراع، بدل المبادرة إلى خيارات تغيّر المعادلة.
تحميل العالم العربي والإسلامي مسؤولية الإخفاق
في موازاة ذلك، تصاعد خطاب حماس الذي يُحمّل العالم العربي والإسلامي مسؤولية ما تصفه بالتخلّي عن غزة. وبينما يرى أنصار الحركة في هذا الخطاب توصيفًا للواقع، يعتبره منتقدوها محاولة لتحويل الأنظار عن الإخفاقات الداخلية، وتبرير العجز عن تلبية احتياجات السكان.
ويؤكد هؤلاء أن تحميل الخارج المسؤولية لا يعفي الحركة من مسؤولياتها المباشرة كسلطة أمر واقع تدير شؤون جزء من قطاع غزة منذ سنوات.
فشل في تلبية الاحتياجات الأساسية للمدنيين
أحد أكثر أوجه الانتقاد حدة يتمثل في عجز الحركة عن تلبية أبسط متطلبات الحياة للمدنيين، من خدمات أساسية، وأمن معيشي، وإدارة فعّالة للأزمات. فبين الوعود السياسية والواقع اليومي، تتسع الفجوة، ويجد المواطن الغزي نفسه عالقًا بين حصار خارجي وإدارة داخلية عاجزة.
هذا الواقع عزّز شعورًا متزايدًا لدى شريحة من السكان بأن الحركة انتقلت من مشروع مقاومة إلى مشروع سلطة، أولويته الحفاظ على النفوذ لا تحسين حياة الناس.
من وعود التحرير إلى مقايضات الحكم
يرى محللون أن التحول الأخطر يكمن في انتقال الحركة من خطاب التحرير الشامل إلى سياسة المساومة السياسية، حيث أصبحت القرارات تُقاس بمدى قدرتها على الحفاظ على الحكم في جزء من غزة، لا بمدى اقترابها من تحقيق الأهداف الوطنية الكبرى.
وفي هذا الإطار، لم تعد الشعارات القديمة تحظى بالزخم ذاته، بينما برز خطاب جديد يركّز على "إدارة المرحلة" و"تثبيت الوجود"، وهو ما يراه منتقدو الحركة تناقضًا صريحًا مع الوعود التي بُنيت عليها شعبيتها في بداياتها.
أسئلة مفتوحة حول المستقبل
في ظل هذه التحولات، تبرز أسئلة جوهرية حول مستقبل الحركة ودورها:
هل ما يجري هو مرحلة انتقالية فرضتها الظروف، أم تحوّل دائم في طبيعة المشروع؟
وهل يمكن لحركة قامت على فكرة المقاومة أن تعيد تعريف نفسها كسلطة سياسية دون أن تفقد ما تبقى من شرعيتها الشعبية؟
بين خطاب الأمس وواقع اليوم، تقف حماس أمام اختبار صعب، لا يتعلق فقط بعلاقتها مع خصومها، بل بعلاقتها مع المجتمع الذي تحكمه، ومع الوعود التي قطعتها يومًا لجمهورها.
