جمعة أبو الجديان (أبو رمزي)… سفير النوايا الحسنة وضمير فتح الإنساني

تابعنا على:   11:17 2026-01-06

سامي إبراهيم فودة

أمد/ ليس كل من سار في دروب الوطن صار من رجاله، وليس كل من حمل صفة نضالية استحقها. وحدهم القلّة من يصنعون مكانتهم بالفعل، ويكتبون أسماءهم في ذاكرة الناس لا بالحبر، بل بالمواقف. من هؤلاء الرجال يبرز اسم جمعة أبو الجديان – أبو رمزي، رجلٌ إذا ذُكر العطاء حضر، وإذا ذُكرت الرجولة تقدّم، وإذا تحدّث الناس عن الوفاء كان في الصدارة.
في زمنٍ شحّ فيه الرجال، وتكاثرت فيه المواقف الرمادية، يسطع أبو رمزي كقيمة أخلاقية وإنسانية قبل أن يكون إطارًا تنظيميًا أو موقعًا قياديًا. لم يكن يومًا باحثًا عن الأضواء، ولا عاشقًا للمنابر، بل كان من أولئك الذين يعملون بصمت، ويتركون أثرًا لا يُمحى، فصار اسمه مرادفًا للثقة، ووجهه عنوانًا للخير.
أبو رمزي ليس اسمًا عابرًا في ذاكرة غزة، ولا وجهًا مؤقتًا في مشهدها القاسي، بل هو ابن مخيم جباليا؛ مخيم الصمود والثورة، الذي أنجب الرجال كما تُنجب الأرض زيتها وزعترها. من هناك تشكّلت شخصيته، وتربّى على الكرامة، وحمل همّ الناس قبل همّ نفسه، فكان عصاميًا بامتياز، صنع مكانته بعمله لا بشعاراته، وبخدمته لا بادعائه.
عرفه القريب والغريب، وعرفته طرقات رام الله كما عرفته أزقة غزة. كم من مريضٍ عبر المعبر فكان أبو رمزي في انتظاره، لا يسأل عن مقابل، ولا يتذرّع بظرف. كان يدفع من جيبه ثمن السولار، ويقطع المسافات ليُعيد الأمل لمن أنهكه المرض. ساعد في المواعيد الطبية، وسهّل إجراءات السفر، ووقف إلى جانب المرضى كأنهم أهله، لأنهم فعلًا كانوا أهله في إنسانيته الصادقة.
تنظيميًا، شغل عضوية قيادة حركة فتح – منطقة الشهيد محمد الموسى في شمال قطاع غزة، وكان مثالًا للمناضل الهادئ، الثابت، الذي لا يساوم على المبادئ ولا يتاجر بالمواقف. لم يكن صاحب صوتٍ عالٍ، بل صاحب موقفٍ راسخ. علاقته بزملائه داخل الإطار التنظيمي وخارجه كانت قائمة على الاحترام والثقة، فالجميع يشهد له بصفاء السريرة، ونظافة اليد، وحسن المعاملة. كان بحق سفير النوايا الحسنة بين أبناء شعبه، يجمع ولا يفرّق، ويصلح ولا يؤجّج، ويقدّم المصلحة العامة على كل اعتبار.
وما أقسى أن يُمتحَن الرجال الكبار في أجسادهم، بعد أن صمدت أرواحهم طويلًا. خلال الحرب على غزة، وما رافقها من وجعٍ وفقدٍ ورحيل أعزاء، كان من بينهم الشهيد زياد أبو الجديان، تعرّض أبو رمزي لوعكة صحية أدّت إلى جلطة أقعدته على كرسي متحرك. لكن—even وهو مقعد—بقي شامخًا، لأن الكراسي لا تُقعِد الكبار، ولأن الرجال تُقاس بعزيمتها لا بخطواتها.
اليوم، وهو في رام الله إلى جانب زوجته وأبنائه، يبقى الأمل معقودًا، والدعاء موصولًا، بأن يمنّ الله عليه بالشفاء التام، وأن ينهض من جديد ليواصل حياته الطبيعية، كما عرفناه دائمًا: حاضرًا، معطاءً، ثابتًا، قويّ الروح وإن أنهكه الجسد.
إن جمعة أبو الجديان (أبو رمزي) رجل لا يخشى إلا الله، صاحب مواقف شجاعة، ونفسٍ نبيلة، وتاريخٍ ناصع. هو من أولئك الذين إذا غابوا شعر الناس بالفراغ، وإذا ذُكروا حضر الاحترام تلقائيًا، لأن حضوره كان إنسانيًا قبل أن يكون تنظيميًا، وأخلاقيًا قبل أي صفة أخرى.
له منّا كل الدعاء بالشفاء، وكل الثناء المستحق، وكل الوفاء لمسيرة لم تُكتَب بالحبر، بل كُتبت بالفعل، والصبر، وحب الناس.
سلامٌ عليك يا أبا رمزي…
سلامٌ على قلبك الكبير،
وعلى تاريخك النظيف،
وعلى عطائك الذي لا يُنسى.

اخر الأخبار