الاستدراك مطلوب
يوسف الحسن
أمد/ كانت المشاركة الإماراتية في «عاصفة الحزم»، لها شرعيتها، متعددة الجوانب، ليس أقلها، أنها حرب الضرورة، دفاعاً عن مستقبل المنطقة، وعن الهُوية العربية لليمن، خاصرة إقليم الخليج والجزيرة العربية، وفِنائها الخلفي. خرجت منه الهجرات العربية الأولى قبل الإسلام، وتأسست فيه حضارة العرب الأولى، وبخاصة حول حوض «سد مأرب» ذلك السد المائي الكبير، الذي أعاد المغفور له الشيخ زايد بناءه، ليبعث الروح والحياة في اليمن.
نعم... كانت المشاركة في الحرب.. واجباً وطنياً، ولا أحد ظن يوماً أن الحرب لن تتعمد بدماء الشهداء، لبَّى جند الإمارات نداء اليمن من جديد، وفي اليمن ما يستحق الشهادة، وامتلكت الإمارات قوة الإرادة التي تحرك التاريخ، وتشحنه بقوة مضافة، وتكشف معدن الشعب وقدرته على التماسك والصمود والفعل الإنساني والوطني.
أدركت الإمارات وقتها، أن اليمن عرضة لانهيار كارثي، بفعل مغامرات آثمة، ارتكبها (علي عبدالله صالح) والمليشيات الحوثية، وسياسات «خليجية» قصيرة النظر، على مدى عقود سابقة، في التعامل مع «المسألة» اليمنية، فضلاً عن التخبط في مواجهة اتساع قوس التطرف والغلاة، وانتشار قواعده «الجوالة»، «والعزف المنفرد» من بعض دول المجلس، وهو عزف لا يُطرب وسط فوضى الموسيقى، وممارسة «ألعاب سياسية» غير حكيمة في زمن ما سمي بالربيع العربي.
كانت لهذه «العاصفة» تكاليف كبيرة، وستظل ممتدة في المكان والزمان، بفعل أن اليمن، على درجة عالية من التعقيدات القبلية والمناطقية، فضلاً عن الجغرافيا والفقر والهويات، وأحلام التشطير والثأر.
لكن، ومن أسف، غاب وقتَها، التفكيرُ في «اليوم التالي». تنوعت أجندات، في ظل أيام كَثُر فيها الضباب، بعيداً عن ثنائيات النصر أو الهزيمة، والاستمرار معاً، أو الانسحاب بهدوء.
غاب «اليوم التالي» وهو مواكبة العمل العسكري، بمشروع «مارشال» عربي ليمن جديد، يخرجه من ظلمات التخلف والاقتتال والهويات الصغرى، إلى آفاق إنسانية وازدهار، واحتضان «كل اليمن» في إطار عضوية مجلس التعاون، وإعادة الحياة إلى شرايين اليمن، ليأخذ مكانه الطبيعي، لا مظلومية لأحد أو «لمحافظة» أو«لشطر» فيه.
لم يُطور اليمن له نظاماً وطنياً ناجعاً وجامعاً، قبل 2014، ولا بعده، ولم تساعده منظومة «العمل العربي المشترك» ولا حتى منظومة التعاون، على بناء هذه «الوطنية» الجامعة، ولا على الخروج من مآزق الاقتتال والتخلف، ظل اليمن «دولة غائبة»، وإلى حد ما «قنبلة» مؤجلة.
كتبتُ في (3 إبريل 2023) مقالاً «في غرفة التعاون فيل»، وقلت: «تفاءلنا بنتائج قمة «العلا» حينما طوينا صفحة سنوات مقلقة من عمر منظومة مجلس التعاون، وحلمنا بتدشين مرحلة جديدة تعلي المصلحة المشتركة، وتبلور رؤية مشتركة، وتعزز ثقافة التعاون والتنسيق والتشاور في معالجة الأزمات»، وطالبت بضرورة إعادة هندسة العلاقات البينية، والحذر من تجاهل حقيقة وجود «فيل في الغرفة» وفق العبارة المجازية التي تشير إلى ما يتوجب الحديث عنه، وعدم إنكاره أو السكوت عنه.
لا أحد عاقل إلا ويرحب بعودة الدفء والحوار بين المتخاصمين أو المتنافسين، والتوصل إلى إنهاء النزاعات وبناء الجسور، والتشاور.
باركت الإمارات كل حوار يمني وطني جامع، قبل هذه الأزمة الراهنة، وخلالها وبعدها، لما لأية مغامرات أو تصدع أو تنافس عبثي أو شهية لتوسيع نفوذ، من مخاطر على موازين القوى العربية، في خرائط الإقليم ومنافذه ومحيطه.
لا الإمارات ولا السعودية ولا سلطنة عُمان أو غيرها، أمامها خيارات مترفة لمواجهة أي تصدع في هذه الخاصرة الجغرافية المهمة، وبما يُحوّلها من خاصرة فقر إلى خاصرة نار، ومخاطرها أكثر من مجرد انفعالات، وردود أفعال، أو سوء تقدير أو اهتزاز ثقة متبادلة.
من الضروري والحكمة في آنٍ، مراجعة المواقف والسياسات منهجياً على مستوى منظومة التعاون، والمراجعة العاقلة والعارفة والهادئة، أفضل كثيراً من السير في مدارات مغلقة، وفي ظل انفعالات وارتباك، ونكايات لا طائل من ورائها.
نحتاج إلى توفير مناخات حوار وحكمة، تمنع تحوّل فضاءات الإقليم إلى خنادق متقابلة، وحضانات دافئة لتنمية ثقافة الريبة والفتنة.
إن المخاطر والتهديدات الراهنة، في الإقليم وخارجه، تطال الخرائط والأدوار والهويات، ولا أحد آمنٌ داخل شرنقته، ونخطئ إذا صدّقنا أن حليفاً أو صديقاً ينوب عنا في حل أزماتنا.
نعم.. هذه لحظات فارقة من تاريخ المنطقة.. في زمن «القرصنة» الجديدة، التي صكتها (شرعة ترامب).. إعادة النظر وإدراك العبر ممكنان وضروريان في آنٍ.
