ويريد تقليص المساعدات العسكرية الأمريكية..
نتنياهو يعترف بخسارة معركة الرأي العام العالمي بسبب حرب غزة..وقادة العرب لا يهتمون بفلسطين
أمد/ تل أبيب: قال رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو، أنه يسعى إلى استعادة مكانة إسرائيل الدولية، التي تضررت بشدة بعد عامين من الحرب في غزة. فقد تراجعت صورة إسرائيل عالمياً، ليس فقط لدى منتقديها التقليديين، بل أيضاً لدى عدد كبير من حلفائها السابقين في الغرب، الذين صدمتهم مستويات الدمار الواسعة في القطاع ومقتل أكثر من 70 ألف فلسطيني.
وقال نتنياهو خلال مقابلة مصوّرة مع مجلة "الإيكونوميست" البريطانية ضمن برنامج “The Insider”، أُجريت في الثامن من كانون الثاني/يناير: "أود أن أفعل كل ما بوسعي لمواجهة حرب الدعاية التي تُشن ضدنا، لقد كنا عملياً نستخدم سلاح الفرسان في مواجهة طائرات إف-35، بعدما أغرقوا شبكات التواصل الاجتماعي بالروبوتات المزيفة وأدوات أخرى". وأضاف أن من بين الخطوات المحتملة تخلي إسرائيل عن الدعم المالي الأميركي الذي تستخدمه لشراء الأسلحة الأميركية.
وقال، أنه سيخوض الانتخابات العامة المقبلة زعيماً لحزب الليكود للمرة الثانية عشرة، في عام قد يشهد واحدة من أكثر الحملات الانتخابية حساسية في تاريخ إسرائيل. ويُعد نتنياهو بالفعل أطول رؤساء وزراء إسرائيل بقاءً في المنصب، إذ أمضى أكثر من 18 عاماً في الحكم. وإذا فاز مجدداً، فقد يصبح أطول زعيم منتخب في أي ديمقراطية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ولم يُحدَّد بعد موعد الانتخابات، وكان أحد المحاور الأساسية حديثه عن سعيه لولاية جديدة، قائلاً: "ما دمت أعتقد أنني قادر على تأمين مستقبل إسرائيل، وهو الهدف الذي كرّست له حياتي جندياً وسياسياً ورجل دولة، فسأواصل القيام بذلك"، غير أن معظم استطلاعات الرأي تشير إلى أن ائتلافه من الأحزاب القومية والدينية لا يزال بعيداً عن تحقيق أغلبية برلمانية.
وبنى نتنياهو مسيرته السياسية على حضوره الإعلامي القوي وخطاباته الحادة في المنابر الدولية، منذ توليه منصب سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة في ثمانينيات القرن الماضي. ويعكس ذلك قناعته بأن التأثير في الحكومات يمر عبر كسب الرأي العام، وهي معركة يرى كثيرون أن إسرائيل تخسرها حالياً.
ويشتكي نتنياهو مما يصفه بتدقيق غير متوازن في سياسات إسرائيل، قائلاً: "أشك في أن ونستون تشرشل كان سيتمكن من خوض الحرب العالمية الثانية لو كان العالم يرى ما يجري آنذاك. أنتم تحاسبون هذه الديمقراطية المحاصَرة بمعايير مستحيلة". كما يعزو جانباً من الانتقادات إلى معاداة السامية، مضيفاً: "في العصور الوسطى اتُّهم اليهود بتسميم الآبار ونشر الأوبئة وذبح الأطفال المسيحيين… واليوم تُوجَّه الافتراءات نفسها إلى الدولة اليهودية".
ويرى نتنياهو أن وقف إطلاق النار في غزة قد يسهم في تهدئة الضغوط الدولية. وقال: "بمجرد توقف القتال المكثف، يتراجع تركيز الإعلام الدولي والتغطيات المروعة، وغالباً الزائفة، وتضعف قدرة الدعاية على طمس الحقائق أو تجاوز التدقيق".
وعلى صعيد العلاقات مع واشنطن، كشف نتنياهو أنه لا يسعى إلى تجديد كامل لحزمة المساعدات العسكرية الأميركية الممتدة لعشر سنوات، والبالغة 3.8 مليارات دولار سنوياً، والتي يُفترض إعادة التفاوض بشأنها في عام 2028. وللمرة الأولى علناً، تحدث عن خفض هذه المساعدات تدريجياً إلى الصفر خلال عقد من الزمن، مؤكداً في الوقت نفسه أنه "سيواصل العمل من أجل الحفاظ على دعم الشعب الأميركي"، رغم تنامي الانتقادات لإسرائيل داخل أوساط من حركة "ماغا" المقربة من الرئيس دونالد ترامب.
ويرى نتنياهو أن الغرب يسيء فهم طبيعة الصراع، قائلاً إن إسرائيل تخوض "معركة بين قوى الحضارة والحداثة من جهة، وقوى متطرفة تسعى لإعادة العالم إلى العصور الوسطى بعنف غير مسبوق". ويضيف: "إسرائيل تدافع عن نفسها، لكنها في الوقت نفسه تدافع عن الحضارة الغربية".
غير أن هذه الرواية، التي استخدمها نتنياهو على مدى عقود، تبدو أقل إقناعاً في نظر كثيرين عندما توضع في مواجهة حجم المعاناة التي تكبدها الفلسطينيون في غزة.
وتزداد مهمة نتنياهو تعقيداً بفعل التداخل بين رسالته الخارجية وحملته الانتخابية الداخلية. فقد تسارع التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية خلال فترة حكمه، كما تصاعد عنف المستوطنين، فيما يطالب وزراء في حكومته بضم أجزاء من الضفة. ورداً على سؤال بشأن ما إذا كانت هذه السياسات تشكل موضع خلاف مع الولايات المتحدة أو مع شركاء إسرائيل العرب المحتملين، قال إن ترامب سبق أن أبدى استعداداً للنظر في مسألة الضم، متوقعاً في الوقت نفسه توسيع "اتفاقات إبراهيم». وأضاف: "في الأحاديث الخاصة، كثير من القادة العرب لا يهتمون فعلياً بالقضية الفلسطينية، بل بتداعياتها على الشارع".
داخلياً، سيواجه نتنياهو أسئلة حول الاقتصاد ودور المجتمع اليهودي المتشدد (الحريديم). فرغم تعافي الاقتصاد الإسرائيلي سريعاً من الحرب، مدفوعاً بالاستثمار الأجنبي في قطاع التكنولوجيا والطلب المتزايد على أنظمة السلاح الإسرائيلية، يحذر خصومه من خطر هجرة العقول. ويرفض نتنياهو هذه المخاوف واصفاً إياها بـ"السخيفة"، بينما يؤكد منافسه الرئيسي نفتالي بينيت أن التهديد حقيقي.
وفي المقابل، يشكل الحريديم حلفاءه السياسيين الأساسيين، رغم تلقيهم مزايا اجتماعية واسعة وامتناع كثير من رجالهم عن الخدمة العسكرية والعمل. ويقول نتنياهو إنه يسعى لتمرير قانون يشجع تجنيدهم، «مع السماح لقلة مختارة بمواصلة دراسة التوراة»، في طرح لا يبدو كافياً لإرضاء أي من الطرفين.
أما على الصعيد الإقليمي، فتظل إيران عاملاً حاسماً في تحديد أولويات نتنياهو، وسط احتجاجات واسعة تهدد النظام هناك. ورغم تأكيده أن إسرائيل سترد بقوة في حال تعرضها لهجوم إيراني، بدا أكثر حذراً في تصريحاته، قائلاً: «إذا هاجمتنا إيران، فستكون العواقب عليها وخيمة. أما ما عدا ذلك، فعلينا أن نراقب ما يجري داخل إيران».
ويخيّم على المشهد السياسي كله هجوم حركة «حماس» في تشرين الأول/أكتوبر 2023، الذي شكّل أعنف صدمة في تاريخ إسرائيل. ففي الداخل، قد تتحول الانتخابات إلى استفتاء على مسؤولية نتنياهو عن الإخفاقات التي سبقت الهجوم. ورغم إعلانه الاستعداد للإدلاء بشهادته أمام لجنة تحقيق لم تُشكَّل بعد، يتجنب استخدام مصطلح «المسؤولية»، موزعاً اللوم على أجهزة الاستخبارات وأعضاء حكومته.
وبينما كان الفشل جماعياً، فإن رجلاً حكم البلاد كل هذه السنوات سيجد صعوبة في نسب النجاحات لنفسه وحده، من دون تحمّل نصيبه من مسؤولية الكوارث.
