هل نحن نستخدم اللغة أم نختبئ خلفها؟

تابعنا على:   13:59 2026-01-18

اسماء حمزة بدران

أمد/ في كل مرة ننطق بكلمة، نفتح نافذة ونغلق بابًا. اللغة، تلك الأداة التي خُلقت لتقريب المسافات، كثيرًا ما تصبح ستارًا نختبئ خلفه، لا جسرًا نعبر به إلى الآخر.
نقول "أنا بخير" بينما نرتجف من الداخل. نكتب قصيدة عن المطر، ونقصد بها غيابًا لا يُقال. نُدرّس قواعد التعبير، وننسى أن نُعلّم كيف نُعبّر حقًا. فهل نحن نستخدم اللغة لنُفصح، أم لنُخفي؟ لنُظهر، أم لنُضلّل؟
اللغة كقناع
في بعض الأحيان، نُتقن الحديث عن الألم أكثر مما نُتقن الاعتراف به. نختار كلماتٍ مألوفة، نُعيد تدويرها، نُلبسها ثيابًا جديدة، لكنها لا تُفصح عنّا بقدر ما تُخفي هشاشتنا.
اللغة تمنحنا سلطة، لكنها أيضًا تمنحنا مهربًا. مهربًا من المواجهة، من الاعتراف، من العُري العاطفي.
اللغة كمرآة مشروخة
اللغة لا تعكسنا تمامًا. هي مرآة، نعم، لكنها مشروخة. كل كلمة نقولها تمرّ عبر فلاتر: الخوف، التوقع، التربية، اللغة الأم، اللغة الثانية، والثالثة.
حين أكتب "أحبك"، هل أعنيها كما تعنيها الكلمة في العربية؟ أم كما تُقال في التركية؟ أم كما تُهمَس بالإسبانية؟
هل أختار اللغة التي تُخفي أكثر مما تُظهر، أم تلك التي تُعرّيني؟
في الصف، حين يتعلم الطفل أن يقول "أنا غاضب"
أدرك أن اللغة ليست فقط وسيلة للتواصل، بل أداة للنجاة. حين يتعلم الطفل أن يُسمّي مشاعره، يصبح أقل عُرضة للانفجار، وأكثر قدرة على الفهم.
لكن حتى هنا، علينا أن نُعلّمه أن اللغة ليست دائمًا صادقة. أن "أنا بخير" قد تعني "أنا محطم"، وأن الصمت أحيانًا أبلغ من ألف كلمة.
الكاتب... الممثل الذي يختبئ في النص
الكاتب لا يكتب فقط ليُفصح، بل ليختبئ أيضًا. يزرع نفسه بين السطور، يوزّع ألمه على الشخصيات، يخبئ اعترافاته في استعارات.
أنا أكتب لأقول ما لا أستطيع قوله. أكتب لأُضلّل القارئ عني، ولأدلّه عليّ في الوقت ذاته.
في النهاية،
اللغة ليست دائمًا صادقة، لكنها ضرورية.
نستخدمها، نعم. نختبئ خلفها، أحيانًا.
لكننا أيضًا نُعيد تشكيلها، نُحمّلها ما لا تحتمل، ونحاول من خلالها أن نُفهم أنفسنا… ولو قليلاً.

اخر الأخبار