العقل السياسي في إدارة سوريا ما بعد الحرب: قراءة في تجربة القيادة الجديدة
د. منصور أبو كريّم
أمد/ بعد سنوات طويلة من الحرب الأهلية التي أنهكت الدولة السورية ومجتمعها، دخلت البلاد مرحلة جديدة عنوانها الأبرز إعادة بناء الدولة واستعادة هيبتها. وفي خضم هذه المرحلة المعقّدة، برز أسلوب القيادة السياسية الجديدة، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، بوصفه نموذجًا لافتًا في إدارة الأزمات الانتقالية في دول ما بعد النزاعات.
رغم الخلفية السياسية ذات الطابع الإسلامي للرئيس الشرع، إلا أن ممارساته السياسية خلال فترة زمنية قصيرة كشفت عن عقل براغماتي واقعي أكثر من كونها أيديولوجية صدامية. فقد نجحت الدولة السورية، تحت قيادته، في إعادة بسط سيطرتها على معظم الأراضي السورية، مع التعامل بحذر شديد مع القضايا الحساسة المرتبطة بالأقليات العرقية والدينية، إدراكًا لخطورة أي انزلاق جديد نحو صراع داخلي.
أحد أبرز التحديات التي واجهها النظام الجديد تمثّل في ملف المناطق الشمالية ذات الأغلبية الكردية، حيث شكّلت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) واقعًا سياسيًا وعسكريًا معقّدًا. المواجهة الأخيرة بين الطرفين لم تُدار بمنطق الإلغاء الكامل أو الحسم العسكري المفتوح، بل انتهت بالعودة إلى اتفاق 10 آذار 2025، الذي نصّ على إنهاء الحكم الذاتي ودمج القوات الكردية ضمن الجيش السوري، مقابل استعادة الدولة سيادتها الكاملة على تلك المناطق. هذه المقاربة تعكس فهمًا عميقًا لحساسية المسألة الكردية، ومحاولة تفكيكها سياسيًا بدل تفجيرها أمنيًا.
كما شكّل الحسم العسكري المحدود مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) عاملًا حاسمًا في دفعها نحو تقديم تنازلات جوهرية. فالدولة السورية لم تسعَ إلى مواجهة شاملة أو استنزاف طويل، بل نفذت تحركًا عسكريًا مدروسًا أعاد رسم موازين القوى وأثبت عمليًا أن مشروع الحكم الذاتي لم يعد قابلًا للاستمرار. هذا الواقع الميداني، إلى جانب تبدّل البيئة الإقليمية والدولية، دفع قسد إلى إعادة حساباتها والقبول بالعودة إلى اتفاق 10 آذار 2025، الذي أنهى فعليًا الطموح السياسي المستقل مقابل دمج القوات الكردية ضمن مؤسسات الدولة. وبهذا، تحوّل الحسم العسكري من غاية بحد ذاته إلى أداة سياسية فرضت التفاوض بشروط الدولة لا بشروط الأمر الواقع
مصدر الإعجاب في هذه التجربة لا يكمن فقط في النتائج الميدانية، بل في العقل السياسي الذي يقود المرحلة. فقد أظهر الرئيس الشرع إدراكًا واضحًا لحجم الدعم الذي يحظى به من قوى إقليمية ودولية وازنة، لكنه في الوقت نفسه لم يسمح بتحويل هذا الدعم إلى وصاية سياسية أو تفريط بالقرار السيادي. بل سعى إلى توظيفه في خدمة مشروعه المركزي: توحيد القطر السوري واستعادة الدولة المركزية.
في المقابل، لم يكن هذا التوحيد على حساب الخصوصيات الثقافية والعرقية للمناطق المختلفة، سواء في الشمال أو الجنوب، حيث جرى التأكيد مرارًا على احترام التنوع المجتمعي ضمن إطار الدولة الواحدة، لا الكيانات المتوازية. وهنا تبرز محاولة الموازنة الدقيقة بين أمرين غالبًا ما يُقدَّمان كمتناقضين: اللامركزية الثقافية والمركزية السياسية والسيادية.
في المحصلة، يمكن القول إن التجربة السياسية الحالية في سوريا تعبّر عن إدراك متقدّم لحقيقة مفادها أن أخطر مراحل الدول ليست زمن الحرب، بل ما بعدها. والنجاح في هذه المرحلة لا يتحقق بالشعارات أو الغلبة العسكرية وحدها، بل بقدرة القيادة على قراءة موازين القوى، واحتواء التناقضات الداخلية، وإعادة بناء مفهوم الدولة باعتبارها مرجعية جامعة لا طرفًا في صراع دائم.
