الدولة الفلسطينية: ضرورة وطنية وجودية دراسة فلسفية، سياسية، واجتماعية

تابعنا على:   15:48 2026-02-02

د. صالح الشقباوي

أمد/  الدولة كشرط لوجود الذات

لا يكفي أن يمتلك الشعب تاريخاً، ذاكرة، أو ذاكرة جماعية وحدها ليكون كياناً قائماً، فالوجود الإنساني لا يكمل ذاته إلا عبر إطار سياسي مؤسّس، يُعطي لهذا الوجود معنى، ثباتاً، شرعيةً واستمرارية.

والدولة ليست مجرد حدود جغرافية على خريطة، بل هي الكيان الذي يربط الذات بوحدتها الجماعية، هويتها، حضورها، وجغرافيتها.

فمن لا يمتلك دولة يصبح وجوده ناقصاً، غير مكتمل، مفتقراً إلى إطار يحمِل إرادته ويشيد مصيره.

الدولة هي حارِسة الوجود، ومأوى الهوية، ومصدر معنى للكيان الوطني الفلسطيني.

 

 الأُطُر الفلسفية للوجود والكَيْنونة

 

1.1 الوجود الذاتي مقابل الوجود السردي

الوجود الذاتي هو تماسك الذات كفرد داخل نظام قيمها وهويتها.

أما الوجود السردي فهو صورتها في ذاكرة التاريخ.

إقامة الدولة تجمع بين الاثنين:

تمنح الـذات معنى عمليّاً (وجود مؤسّسي وسياسي).

تحفظ الذاكرة داخل أطر واقعية، لا مجرّد سرديات.

1.2 الدولة كإطار للحفاظ على الهوية

الهوية لا تعني فقط الانتماء العاطفي، بل تُصان عبر قانون، مؤسسات، تعليم، ثقافة، وسيادة.

من دون دولة:

تبقى الهوية عرضة للتجزئة والتفكك.

يصبح الفلسطيني أسيراً لـ “ظروف الآخر” لا فاعلاً في تاريخه.

الدولة هي الكيان الذي يمنح الهوية ثِقلها واستمراريتها.

 

قرار التقسيم 181 (1947) وإشكالية الإكمال

 

قرار الأمم المتحدة رقم 181 لم يكن مجرد اقتراح سياسي بل كان اعترافاً عالمياً بحقّ الشعب الفلسطيني في كيان مستقل، إلى جانب دولة يهودية.

هناك سؤال فلسفي مركزي:

لماذا لم يتم إكمال النصّ الخاص بالدولة الفلسطينية؟

ولِمَ بقي التنفيذ جزئياً ومشوباً بالعقبات؟

2.1 العقل السياسي والتحيّزات الأيديولوجية

صيغ القرار في سياق ما بعد الحرب العالمية الثانية، وفي وقت كان هناك قبول نسبيًّا بضرورة حلّ الدولةين.

لكن مع مرور الزمن:

قاد اليمين الصهيوني المتطرف المشهد السياسي في إسرائيل.

صار البيت السياسي يلتصق بمفاهيم التوراة، أرض الميعاد، وفكرة الشعب المختار.

تراجع التزام بعض القوى الصهيونية بفكرة الدولة الفلسطينية إلى جانب إسرائيل.

وهنا سؤال فلسفي عميق:

هل يمكن للعقل السياسي أن يفصل نفسه عن العقيدة الأيديولوجية؟

 

 المقدّس والسياسة

 

تؤدي الديانة دوراً محورياً في الهوية، لكن عندما تتحوّل إلى آلة سياسية مسيطرة، فإنها تصعّب التفاوض، وتُبعد الحلول الواقعية.

3.1 تحييد المقدّس كمدخل لسلام حقيقي

إن ربط السياسات بالمقدّس يؤدي إلى:

تجذير الاستعصاء.

تعميق العقدة الأيديولوجية.

سدّ آفاق التفاهم.

العقلانية السياسية تتطلّب أن:

تُحلّى العلاقة مع المقدّس بالاحترام،

لكنها لا تُستغل كسُلطة سياسية تُسيطر على عملية السلام.

السلام يتطلّب تجريد القضايا من التشنّجات الميتولوجية، والتركيز على الحقائق الواقعية: تاريخ، جغرافيا، حرية، كرامة، وحقوق إنسان.

الفصل الرابع: إمكانية التعايش

يُطرح أحياناً سؤال:

هل العقل اليهودي قادر على تخطّي أطر الأيديولوجيا الدينية والتوراتية، ليتعايش مع الفلسطيني على قاعدة إنسانية وسياسية؟

الإجابة الفلسفية:

العقل الإنساني، بطبيعته، قادر على تجاوز الحواجز الثقافية والدينية إذا توفرت:

إرادة سياسية حقيقية،

رؤية مشتركة لسلام عادل،

ضمانات تحفظ حقوق الجميع،

مؤسسات تحمي حرية الاعتقاد والحياة.

إنّ التعايش ليس حلماً مستحيلاً، بل هو خيار إنساني عقلاني عندما تُؤسَّس السياسة على الاحترام المتبادل والمعاملة بالحُسنى.

الفصل الخامس: دور القيادة الفلسطينية

5.1 أبو مازن ونهج الدولة

الرئيس محمود عباس (أبو مازن) اعتمد النهج الدبلوماسي التفاوضي لإقامة الدولة، مستفيداً من:

الاعتراف الدولي،

القرارات الأممية،

البناء المؤسّسي الدبلوماسي الفلسطيني.

لكنَّ القدرة على تحقيق الدولة:

ترتبط بتوازن القوى الإقليمية والدولية.

تستدعي تحركاً داخلياً موحداً.

تتطلّب توافقاً على إستراتيجية وطنية واضحة.

5.2 بين الفلسفة والواقع

الفلسفة الوطنية ترى أن:

إقامة الدولة ليست مجرّد مراد سياسي، بل ضرورة وجودية للفلسطيني.

الدولة تمنح الشرعية.

الدولة تحفظ الهوية.

الدولة تُكرّس حقّ الإنسان في الحرية والسيادة.

الدولة تُعطي الفلسطينيين مكاناً في التاريخ المعاصر، لا كتائهين في هامش الوجود.

خاتمة: الدولة كشرط لتوازن الوجود

تُجسِّد الدولة الفلسطينية:

الحضور في التاريخ

الوجود في الجغرافيا

الثبات في الهوية

الحرية في الإبداع السياسي والاجتماعي

ولا يمكن لأي فلسفة وطنية أن تُكتمل من دون:

دولة،

حدود واضحة،

مؤسسات تحمي الإنسان والمجتمع،

وإرادة شعبية حرة تصوغ مستقبلها.

بهذا المعنى، تتحوّل الدولة الفلسطينية من مطالبة سياسية إلى شرط وجودي للكينونة، والمعنى، والاستمرارية.

اخر الأخبار