بين إعادة الإعمار ونزع المخالب : لحظة القرار في غزة
د. فراس الحلبي
أمد/ الإجتماع المعلن عنه لمجلس السلام الأسبوع المقبل، في واشنطن، لن يكون اجتماعاً عابراً في رزنامة الدبلوماسية الدولية، بل جلسة تأسيس لمرحلة جديدة يُراد لها أن تعيد تعريف غزة سياسياً وأمنياً ووظيفياً؛ اجتماع ما يسمى "مجلس السلام" بصيغته المنسوبة إلى رؤية الرئيس ترمب ينعقد بلا تمثيل فلسطيني، وهذه ليست مسألة بروتوكولية، بل دلالة ثقيلة : مصير القطاع يُبحث في غياب أصحابه، بينما يُفترض أن يُطلب منهم لاحقاً الالتزام بما يُتفق عليه، فحين يُستبعد الفلسطيني عن طاولة تقرير مستقبله، يتحول الصراع من قضية تحرر إلى ملف أمني - إنساني تُدار تفاصيله بلغة التمويل والضبط والاستقرار.
الحضور العربي والتركي، وفق المؤشرات، لا يأتي من موقع الصدام مع الإطار المقترح، بل من زاوية محاولة انتزاع "أفضل الممكن" ضمن سقف ضيق؛ فالفكرة الجوهرية التي يجري تداولها تقوم على معادلة واضحة : إعادة إعمار شاملة، انسحاب إسرائيلي، وحياة مدنية مستقرة، مقابل إنهاء الوجود العسكري للفصائل وتجريدها من قدراتها الصاروخية والهجومية، الهدف المعلن هو أن تستعيد غزة إيقاعها الطبيعي بلا احتلال مباشر وبلا تشكيلات قتالية مستقلة، وأن يُفتح الباب أمام تدفق أموال الإعمار ضمن ترتيبات أمنية صارمة.
تصريح وزير الخارجية السعودي يوم أمس جاء ليضع الشروط بصراحة لا لبس فيها : "لا مساهمات مالية قبل وضوح النهاية الفعلية للحرب، وانسحاب إسرائيل، وتجريد الفصائل من السلاح"؛ هذا الموقف لا يبتعد عن المزاج العربي والتركي والأوروبي العام، بل يترجمه بعبارات مباشرة؛ المال هنا ليس عملاً خيرياً خالصاً، بل أداة ضغط لإعادة تشكيل البيئة الأمنية والسياسية في القطاع، والحديث عن "مستقبل أفضل لشعب غزة" مرتبط في هذا السياق، بإعادة هندسة المشهد الأمني قبل أي شيء آخر.
بهذا المعنى، نحن أمام مفترق صعب لا يحتمل الإنكار، إما التعامل ببراغماتية واعية، وتحويل ما تبقى من أوراق القوة العسكرية إلى عنصر تفاوض يسرّع الخروج من الكارثة، أو الذهاب إلى مواجهة مفتوحة بلا حلفاء حقيقيين، وبلا خطوط إمداد، وبلا عمق استراتيجي، حيث لا يكون مسرح المعركة سوى ما تبقى من عمران وأجساد المدنيين، الفارق بين الخيارين ليس في مستوى الشعار، بل في كلفة الدم والخراب.
القول إن التخلي عن الترسانة الصاروخية يعني نهاية القضية تبسيط مخلّ بالتاريخ، فحركات تحرر كثيرة أعادت تعريف أدواتها حين تبدلت موازين القوى؛ حركة فتح انتقلت في مراحل معينة من أولوية الكفاح المسلح إلى العمل السياسي حين رأت أن اللحظة تفرض ذلك، والمؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا أعاد تموضعه من العمل العسكري إلى التفاوض حين نضجت ظروف مختلفة؛ السلاح ليس قيمة ميتافيزيقية؛ قيمته تُقاس بقدرته على خدمة المصلحة العليا، لا بقدرته على إدامة دورة استنزاف بلا أفق.
السيناريو الواقعي الذي يلوح في الأفق، سواء أُعلن صراحة أم جرى ترتيبه بهدوء، يقوم على إخراج القدرات الهجومية الثقيلة عبر ترتيبات مع طرف ثالث، مع الإبقاء على أدوات ضبط النظام العام ضمن إطار قوة شرطية فلسطينية يعاد تشكيلها في غزة، وربط القطاع مجدداً ببنية سياسية فلسطينية يجري ترميمها؛ الفكرة ليست إلغاء الفاعل الفلسطيني، بل إعادة إدماجه في صيغة أقل تصادماً وأكثر قابلية للبقاء؛ هذا الطرح ليس مثالياً، لكنه قد يكون أقل سوءاً من سيناريو احتلال طويل، أو إدارة دولية مفروضة، أو تكريس فصل دائم بين غزة والضفة.
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في مسألة السلاح، بل في احتمال تحويل غزة إلى كيان إنساني معزول تُدار شؤونه عبر المانحين، وتُفصل هويته السياسية عن الإطار الوطني الأشمل؛ فإذا كانت إعادة الإعمار ستُستخدم كأداة لتثبيت الفصل، فذلك تهديد استراتيجي يتجاوز مسألة السلاح ذاتها، أما إذا استُثمرت لإعادة وصل القطاع عضوياً بالمشروع الوطني، وإفشال أي مسعى لشطب الحركة الوطنية الفلسطينية، فحينها يمكن أن تتحول لحظة الانكسار إلى مدخل لإعادة البناء.
في قلب هذه المعادلات يجب أن يبقى إنسان غزة؛ الناس هناك يريدون الأمان قبل الشعارات، وبيتاً قبل البيانات، ومدرسة قبل الخطابات، لا أحد في غزة يرغب أن يكون مادة اختبار "لرهانات إقليمية" أو مادة تعبئة لبلاغات حماسية، القرار الذي لا يضع حياة المدنيين وكرامتهم في مركز الحساب هو قرار يفقد مشروعيته الأخلاقية مهما علت نبرته.
لسنا أمام فسحة شعرية ولا أمام مسابقة خطابة؛ نحن في لحظة إعادة تعريف قاسية لموقع غزة ووظيفتها ودورها، الواقعية هنا ليست تنازلاً مجانياً، بل محاولة لتقليل الخسارة ومنع الانهيار الكامل، الذكاء السياسي لا يعني التخلي عن الثوابت، بل إعادة ترتيب الأولويات بما يحفظ ما يمكن حفظه، بين إعادة الإعمار ونزع المخالب، يتحدد إن كنا سنحوّل الجرح إلى فرصة لترميم البيت الفلسطيني، أم سنتركه مفتوحاً ينزف حتى يُعاد رسمه بأقلام الآخرين.
