المساعدات في غزة بين الفساد وإهانة الكرامة
داليا العفيفي
أمد/ إن ما يحدث اليوم في ملف المساعدات في قطاع غزة لم يعد مجرد خللٍ إداري يمكن التغاضي عنه، بل تحوّل إلى قضية رأي عام تطرق أبواب الجميع بلا استثناء. صفحات التواصل الاجتماعي تمتلئ بشهادات مواطنين يتحدثون عن غياب النزاهة والشفافية، وعن آليات توزيع مهينة، وعن طرود لا تصل، أو تصل منقوصة، أو تُوزَّع بانتقائية لا علاقة لها بالعدالة ولا بالإنصاف.
أيُّ إغاثةٍ هذه التي تُذِلّ الناس بدل أن تُسندهم؟! أيُّ عملٍ إنسانيٍّ هذا الذي يتحول إلى طوابير إذلال وابتزاز وواسطة؟
إن الطرد الإغاثي الذي يتبرع به إنسان خارج غزة لا يصل مجانًا؛ فهو يدفع ثمنه كاملًا، ويحمّله مشاعر التضامن والواجب الإنساني، ويظن أن محتواه سيصل كما هو إلى أسرة تحتاجه. لكن ما بين المتبرع والمواطن مسافة طويلة من العبث وسوء الإدارة، وأحيانًا — كما يتداول الناس — سرقات واضحة أو تلاعب فجّ بالكميات والمحتويات والأسماء.
والأخطر من ذلك أن آلية الطرود نفسها أصبحت خارج السياق. فليس كل مواطن بحاجة إلى المحتوى ذاته، وليس كل أسرة تحتاج السلع نفسها. كثيرون يضطرون إلى بيع جزء من الطرد أو كله لأن احتياجاتهم مختلفة: مريض يحتاج دواء، رب أسرة يحتاج إلى إيجار، أمٌّ تحتاج حليبًا لأطفالها لا موادًا مكررة لا تنفعها. فهل الهدف إفراغ المخازن أم تلبية الحاجات؟
الحل ليس معقدًا كما يُصوَّر، بل يكمن في تغيير الآلية لا في تبرير الفشل. إن إيداع قيمة الطرد مباشرةً للمستفيد عبر المحافظ الإلكترونية، أو من خلال قسائم شرائية مخصصة، هو الطريق الأقصر لحفظ الكرامة وتحقيق العدالة. فهذا يمنح المواطن حرية اختيار ما يحتاجه فعلًا، ويغلق أبواب السرقة والتلاعب بالكميات، ويختصر حلقات الوساطة والمحسوبية، ويُنهي مشهد طوابير الإهانة.
ولعل التجربة القائمة لدى برنامج الأغذية العالمي (WFP) تقدم نموذجًا واضحًا؛ إذ طبّق نظام المساعدات النقدية الإلكترونية، ويتجه إلى توسيع العمل بالقسائم الشرائية. وقد أثبتت هذه التجربة فعاليتها، وأصبحت المؤسسة تمتلك قاعدة بيانات واسعة للمستفيدين يمكن البناء عليها، بدل البدء من الصفر أو خلق قوائم على مقاس العلاقات والولاءات.
فلماذا الإصرار على آليات أثبتت فشلها؟ ولماذا الخوف من الشفافية إذا كانت النوايا سليمة؟
من يعمل في الإغاثة يجب أن يتذكر أنه خادم للناس لا وصيٌّ عليهم. المال مال المتبرعين، والحق حق المواطنين، وأي عبثٍ في هذه المعادلة هو خيانة أخلاقية قبل أن يكون خطأً إداريًا.
آن الأوان لوقف سياسة “الطرود المقدسة” التي لا يجوز الاقتراب منها أو نقدها. فالنقد اليوم ليس رفاهية، بل ضرورة لحماية ما تبقى من ثقة بين الناس والمؤسسات.
إما أن تُصلَح الآلية فورًا، أو فلتتحمل الجهات المعنية مسؤولية غضب الشارع الذي لم يعد مستعدًا للصمت.
كرامة الناس ليست تفصيلًا إجرائيًا.
والمساعدات إن لم تحفظ الكرامة، فهي ليست مساعدة… بل عبءٌ جديد فوق جراحٍ مفتوحة.
