لقاح الإرهاب بين الإخوان والصهاينة
محمد مصطفى أبو شامة
أمد/ مع دراما رمضان هذا العام، عاد الإرهاب إلى الشاشة لا كحدثٍ تاريخي يُستعاد، بل كفكرة تتحرك وتتحول وتعيد إنتاج نفسها في سياقات جديدة. تنوعت الوجوه وتباينت السرديات، لكن الخيط الخفي كان واحدًا: كيف يتجدد هذا الخطر كلما ظننا أننا تجاوزناه؟
في «رأس الأفعى» نتابع لحظة الانفجار التي أعقبت سقوط تنظيم الإخوان عام 2013، وكيف انقلبت الهزيمة السياسية إلى موجة عنف منظم، بينما يكشف «صحاب الأرض» وجهًا آخر للتطرف في تجليه الصهيوني، حيث يتحول التعصب القومي إلى سردية تبرر الإقصاء والعنف باسم الأرض والهوية. بين العملين، لا يبدو الإرهاب حالة عابرة، بل بنية فكرية قابلة للتشكل كلما توافرت لها شروطها.
وقد أعادني الحديث عن الإرهاب إلى سؤال طرحته قبل أكثر من عشر سنوات: هل يمكن أن نصل يومًا إلى نوع من «التطعيم» ضد العنف والتطرف؟، هل يقدر العلم على صناعة لقاح للإرهاب؟ يومها بدت الفكرة أقرب إلى الخيال العلمي، وربما إلى المبالغة. لكن العالم تغير، والعلم قفز قفزات هائلة في فهم الدماغ البشري، وفي تحليل السلوك، وفي توظيف الذكاء الاصطناعي لرصد أنماط التفكير قبل أن تتحول إلى أفعال.
في بدايات النقاش العلمي، انشغل بعض الباحثين بالبحث عن جذور بيولوجية للسلوك العنيف، ونُشرت دراسات في مؤسسات بحثية مرموقة مثل معهد كارولينسكا حول ارتباط بعض المتغيرات الجينية بالسلوك الإجرامي. كما تناولت أبحاث في علم الأعصاب تأثير إصابات مناطق معينة في الدماغ على درجة الانفتاح أو الانغلاق الفكري. غير أن العلم لم يصل يومًا إلى اكتشاف «جين إرهابي»، ولم يثبت أن التطرف يمكن اختزاله في خلل عضوي بسيط.
الأبحاث الأحدث أصبحت أكثر تعقيدًا وواقعية؛ فهي ترى أن التطرف نتاج تفاعل بين هوية مأزومة، وشعور بالتهديد، وسياقات سياسية ضاغطة، وتجارب شخصية قاسية. عالم الأنثروبولوجيا سكوت أتران قدّم مفهوم «الاندماج الهوياتي»، الذي يشرح كيف يذوب الفرد في جماعته إلى درجة يصبح فيها مستعدًا للتضحية بنفسه دفاعًا عن «قيم مقدسة» لا تخضع لمنطق المنفعة. هذا المفهوم يفسر لنا كيف يمكن لشخص عادي أن يتحول إلى مشروع عنف حين يشعر أن هويته مهددة أو أن جماعته في خطر وجودي.
القفزة الكبرى في العقد الأخير جاءت من الذكاء الاصطناعي. الخوارزميات باتت قادرة على تحليل ملايين الرسائل والمنشورات لرصد تصاعد خطاب الكراهية أو الانغلاق أو نزع الإنسانية عن الآخر. أدوات تحليل اللغة الطبيعية تستطيع قياس درجة القطعية في الخطاب، والتنبؤ باحتمالات الانزلاق نحو التطرف قبل أن يتحول إلى سلوك عملي. لم نعد فقط أمام محاولة لفهم الإرهابي بعد وقوع الفعل، بل أمام سعي لرصد التحول في مراحله المبكرة.
غير أن المفارقة الخطيرة أن التكنولوجيا ذاتها أصبحت في يد المتطرفين. الجماعات العنيفة توظف أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج مواد دعائية أكثر احترافًا، وتستخدم تقنيات توليد الصوت والصورة، والترجمة الفورية، للوصول إلى جمهور أوسع بلغات متعددة. المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل في الفضاء الرقمي، وفي وعي المتلقي.
ورغم كل هذا التقدم، لا يوجد اليوم لقاح بيولوجي يمنع الإرهاب، ولا علاج عصبي يعيد «برمجة» المعتقدات. فكرة «المصل» تظل أقرب إلى المجاز منها إلى الواقع. لأن التدخل المباشر في الفكر يفتح أبوابًا أخلاقية خطيرة: من يحدد ما هو الفكر المنحرف؟ ومن يملك حق تعديل قناعات البشر؟
ربما كان السؤال قبل عقد: هل يمكن إنتاج تطعيم ضد الإرهاب؟ أما السؤال اليوم فهو: كيف نبني مناعة مجتمعية ضد التطرف؟ المناعة ليست حقنة، بل منظومة: تعليم يعزز التفكير النقدي، عدالة تقلص الإحساس بالظلم، خطاب ديني مستنير، إعلام مسؤول، واستخدام ذكي للتكنولوجيا في الرصد المبكر دون انتهاك الحقوق.
الدراما عبر مسلسلي «رأس الأفعى» و«صحاب الأرض»، لم تكتفِ باستعادة الماضي، بل وضعتنا أمام مرآة الحاضر. الإرهاب ليس حكرًا على جماعة أو أيديولوجيا؛ إنه قابل للتشكل في أي بيئة تُغذّي الشعور بالحصار والاصطفاف المطلق. والعلم، مهما تقدم، لن يصنع لنا مصلًا سحريًا. لكنه قد يساعدنا على فهم أعمق للعقل البشري، وعلى بناء مناعة تحمي المجتمع قبل أن يولد «رأس أفعى» جديد في أي مكان ليسرق الأرض من «صحاب الأرض» ويجبرنا على الرحيل.
