الشرق الأوسط.. على حافة الحرب الشاملة
محمد مصطفى أبو شامة
أمد/ نحن أمام لحظة ستعيد تشكيل الشرق الأوسط لسنوات قادمة، فليست كل الحروب قادرة على تغيير الخرائط، لكن بعضها تفتح الباب لإعادة رسمها بالكامل. ما يجرى اليوم لا يُقاس فقط بعدد الصواريخ أو حجم الدمار، بل بالسؤال الأهم: أى نظام إقليمى سيخرج من تحت هذا الرماد؟
إن استمرار التصعيد العسكرى يعنى أن المنطقة تجاوزت مرحلة «قواعد الاشتباك» التى حكمت السنوات الماضية وانتقلت إلى مرحلة «الحرب الشاملة». فالمواجهة بين إيران وإسرائيل كانت تُدار عبر حروب ظل ووكلاء وضربات محدودة تُبقى النار تحت السيطرة. أما انخراط الولايات المتحدة بشكل مباشر فى تبادل عسكرى مفتوح، فيرفع مستوى الصراع إلى سقف مختلف، ويكسر أحد أهم المحظورات التى كانت تضبط إيقاع التوتر.
أول ارتدادات هذا التحول ستظهر فى الخليج. المنطقة مرشحة لتصبح بؤرة توتر مزمنة، سواء عبر تهديد الملاحة أو عبر احتمالات استهداف البنية النفطية. أى اضطراب فى مضيق هرمز لن يبقى شأناً محلياً، بل سيتحول فوراً إلى صدمة فى أسواق الطاقة العالمية، بما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية تتجاوز أطراف الحرب نفسها. هكذا تنتقل المعركة من الميدان العسكرى إلى الاقتصاد الدولى.
سياسياً، نحن أمام مرحلة استقطاب حاد. العواصم العربية ستجد نفسها مضطرة إلى إعادة حساباتها بدقة شديدة، بين حماية أمنها الوطنى وتفادى الانزلاق إلى صراع مفتوح. مثل هذه الحروب نادراً ما تبقى محصورة بين طرفين؛ طبيعتها تميل إلى التمدد، خصوصاً عندما تتعدد الجبهات وتتشابك المصالح.
القلق الأكبر لا يتعلق فقط باليوم التالى للمعركة، بل بالمرحلة التى تعقبها. فالتاريخ يُظهر أن ما بعد السلاح غالباً ما يكون أكثر تعقيداً من لحظة إطلاقه. إعادة ترتيب موازين القوى، وترميم الاقتصاد، وإدارة الخسائر السياسية، كلها ملفات قد تكون أشد وطأة من المواجهة ذاتها.
احتمال الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة يظل قائماً. الحروب الكبرى لا تُعلن دائماً بقرار واعٍ، بل قد تندلع نتيجة فقدان السيطرة على التصعيد. إذا بقيت العمليات ضمن حدود الردع المتبادل، فقد نشهد جولات قاسية لكنها محدودة زمنياً. أما إذا اتسعت دائرة الضربات، أو سقطت أعداد كبيرة من المدنيين، أو دخلت أطراف إقليمية بثقلها الكامل، فإن مسار الأحداث قد يتجاوز قدرة صانعى القرار على ضبطه.
الخطر الحقيقى يكمن فى تعدد الساحات. اشتعال جبهة لبنان بالتوازى مع العراق أو اليمن يعنى أننا أمام شبكة صراع تمتد من شرق المتوسط إلى الخليج والبحر الأحمر. عندها تصبح الحرب إقليمية بحكم الجغرافيا، حتى وإن لم يُرفع هذا الوصف رسمياً.
ومع ذلك، تدرك الأطراف الثلاثة كلفة المواجهة الشاملة. إيران تعلم أن بنيتها التحتية ستكون هدفاً مباشراً، وإسرائيل تدرك هشاشة عمقها أمام الصواريخ، والولايات المتحدة لا تبدو راغبة فى غرق طويل فى الشرق الأوسط وهى تعيد ترتيب أولوياتها العالمية. لهذا تبقى نافذة الاحتواء مفتوحة، وإن كانت ضيقة ومحكومة بحسابات شديدة الحساسية.
إذا تحولت المواجهة إلى حرب استنزاف، فإن خريطة النفوذ ستخضع لإعادة صياغة. قد يؤدى الضغط العسكرى والاقتصادى إلى إضعاف إيران وتقليص قدرتها على الحركة الإقليمية، ما يمنح واشنطن وحلفاءها مساحة أوسع لفرض ترتيبات أمنية جديدة. وفى المقابل، إذا نجحت طهران فى امتصاص الضربة وفرض كلفة مرتفعة على خصومها، فقد تخرج بصورة قوة ردع أكثر صلابة، قادرة على تثبيت موقعها فى معادلة الإقليم. وهناك احتمال ثالث، أكثر تعقيداً، يتمثل فى استخدام الحرب مدخلاً لإعادة هندسة شاملة للنظام الإقليمى فى سياق «نظام عالمى جديد» يتشكل عبر تحالفات وتسويات كبرى تتجاوز ساحة القتال نفسها.
القضية الفلسطينية ستكون بدورها فى قلب التأثيرات. إما أن يتراجع حضورها الدولى بفعل انشغال العالم بالمواجهة الكبرى، أو تتحول إلى ورقة ضغط إضافية ضمن سياق الصراع الأشمل. فى الحالتين، الأرض هى التى تدفع الثمن.
أما مصر، فرغم بُعدها عن خط المواجهة المباشر، فإنها ليست بعيدة عن تداعياته. ارتفاع أسعار النفط يضغط على الموازنة ويغذى التضخم، وأى اضطراب فى سلاسل الإمداد العالمية ينعكس على تكلفة السلع الأساسية. قناة السويس تمثل نقطة حساسة فى هذه المعادلة؛ فإذا امتد التوتر إلى البحر الأحمر أو باب المندب، قد تتأثر حركة الملاحة وإيرادات القناة. والسياحة، بطبيعتها شديدة الحساسية للصورة الذهنية، قد تواجه تباطؤاً مؤقتاً إذا ترسخت صورة الإقليم كمنطقة حرب مفتوحة.
سعر العملة فى النهاية هو مرآة لكل هذه العوامل. تراجُع إيرادات القناة أو السياحة، مع ارتفاع فاتورة الطاقة، يضع سوق الصرف تحت ضغط إضافى. أما إذا ظل التصعيد محدوداً واستمرت مصادر العملة الصعبة فى التدفق، فقد يبقى التأثير فى حدود يمكن احتواؤها.
فى المحصلة، ما يجرى ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل اختبار لقدرة المنطقة على تحمُّل زمن طويل من عدم اليقين. الخليج يواجه معادلة الثروة فى ظل الخطر، ومصر تختبر صلابة توازنها الاقتصادى فى بيئة إقليمية مضطربة. الفارق لن يصنعه حدث عابر، بل مدة الأزمة واتساعها؛ فكلما طالت الحرب، تحولت آثارها من صدمة مؤقتة إلى تحولات عميقة فى بنية الإقليم واقتصاداته.
الوطن المصرية
