إيران بين لحظة الانكشاف وحتمية التحوّل

تابعنا على:   13:25 2026-03-01

نمير العمري

أمد/ بغضّ النظر عن ملابسات الحرب ومساراتها المتعددة، يمكن القول إن الثابت الأبرز فيها يتمثل في أن النظام في إيران تلقّى هزيمته الفعلية منذ لحظة السابع من أكتوبر؛ منذ تلك اللحظة التي ارتبك فيها مع دخوله معركة لطالما قدّمها بوصفها معركته المؤجلة. فالنظام الذي بنى شرعيته السياسية ومؤسساته الأيديولوجية على فكرة «تصدير الثورة»، والتي أفرزت لاحقًا ما سُمّي باستراتيجية «وحدة الساحات»، وجد نفسه فجأة أمام اختبار الواقع، حيث انكشفت الهوّة العميقة بين خطابه العقائدي ومصالحه القومية والسياسية.
هذا الارتباك لم يكن عابرًا، بل شكّل نقطة تحوّل كشفت عجز النظام عن إدارة التناقض بين ما يرفعه من شعارات كبرى وما يريده فعليًا من تجنّب كلفة المواجهة المباشرة. ومن هنا، لم يكن مستغربًا أن تمتد النيران – سياسيًا وأمنيًا – إلى قلب طهران، خصوصًا في ظل المشروع الأمريكي لما بعد الحرب، والقائم على إنهاء ظاهرة الميليشيات الخارجة عن إطار الدولة في المنطقة، وهو مشروع لا يمكن أن يكتمل دون استهداف الداعم والمموّل والظهير الاستراتيجي لهذه الميليشيات.
في هذا السياق، بدا واضحًا أن التيار المتشدد داخل إيران هو العنوان الأساسي للاستهداف. ومع التحولات الإقليمية المتسارعة، لا سيما بعد سقوط نظام سوريا، بات من المرجّح أن هذا التيار سيُجبر على تقديم تنازلات كبرى قبل الإطاحة به أو تحجيمه. وتظهر ملامح ذلك في سيناريوهين محتملين: إما رحيل أو تغييب علي خامنئي، أو إعادة هيكلة الحرس الثوري الإيراني، خصوصًا بعد حرب الأيام الاثني عشر التي أثبتت محدودية قدرة إيران على الاحتفاظ بمواقعها ونفوذها الإقليمي.
هذه الوقائع تقود إلى خلاصة مفادها أن النظام الإيراني يقف اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما تغيير شامل في بنيته السياسية والأمنية، أو إدخال تغيير جوهري يمسّ الأسس العميقة التي قام عليها منذ عقود.
لفهم مآلات هذا التحوّل، لا بد من التوقف عند ثلاثة مسارات رئيسية.
أولها، مسار التفاهم الدولي حول إيران، بما يضمن مصالح القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، وهو ما سيحوّل إيران من طرف فاعل في التسويات الإقليمية إلى ملف خاضع لها.
ثانيها، مسار التسوية الداخلية الإيرانية، حيث لم يعد المشهد محصورًا بثنائية المتشددين والإصلاحيين، بل بات مفتوحًا على قوى جديدة قد تتشكّل بفعل تداخل المصالح الدولية وتعقيدات البنية الاجتماعية والسياسية الإيرانية.
أما المسار الثالث، وهو الأشد تعقيدًا والأكثر استراتيجية، فيكمن في التداخل بين المسارين السابقين، بما يعني عمليًا إعادة إنتاج إيران جديدة على المديين المتوسط والبعيد.
وعليه، يمكن القول إن المنطقة تقف اليوم على أعتاب مرحلة مختلفة، حيث لا تعني التحولات الجارية مجرد إضعاف نفوذ دولة بعينها، بل تشير إلى بداية تشكّل نظام إقليمي جديد، تتغير فيه موازين القوى، وتُعاد فيه صياغة الأدوار، وتُغلق فيه حقبة امتدت لعقود طويلة.
 

اخر الأخبار