مين طفا الضو

تابعنا على:   14:50 2026-03-04

سامي ابو لاشين

أمد/ المنطقة تعيد ترتيب خرائطها بالنار.
الضربات تتبادل بين إيران وخصومها، والخليج الذي كان يُقدَّم كواحة استقرار دخل دائرة التوتر، وتركيا تتحرك ببراغماتية باردة، وإسرائيل تفاوض وتضرب في الوقت ذاته.
الكل يتحرك…
إلا غزة.
في غزة الزمن ليس سياسيًا… بل إنسانيًا.
زمن الخيمة .. زمن الطحين.
زمن انتظار التحويلة الطبية.
لكن في المقابل، هناك من يعيش زمن الصفقات.
دعونا نسمي الأشياء بأسمائها.
في غزة اليوم طبقتان واضحتان:
طبقة فقدت كل شيء…
وطبقة وُلدت من رحم الحرب.
أثرياء حرب لا يهمهم الغلاء، بل يحبونه.
كلما ارتفع السعر ارتفع إحساسهم بالتفوق.
تجار يبيعون الألم، يزنون المأساة بميزان الربح والخسارة.
تكيات تُنهب “عيني عينك”، ومبادرات تُخترق، ومساعدات يُعاد تدويرها في السوق السوداء.
هذه ليست انحرافات فردية…
هذا خلل بنيوي في غياب الدولة والمحاسبة.
قالوا: لجنة لإدارة غزة.
فرح الناس لأنهم تعبوا من الفراغ.
لكن أين اللجنة الآن؟
إن كانت موجودة فلماذا لا يشعر بها أحد؟
وإن لم تكن موجودة، فلماذا قُدِّمت كحل؟
المشكلة ليست في الأسماء…
المشكلة في من يحتكر القرار.
قيل إن حركة حما.س ستغيب عن المشهد.
لكن ما حدث أن الشعب هو الذي غاب عن المشهد.
بقيت حما.س تفاوض باسم الجميع…
بينما الجميع خارج الطاولة.
لا يمكن أن تستمر معادلة:
سلاح بيد فصيل…
وقرار بيد فصيل…
ومصير شعب كامل رهينة حساباته.
هذا ليس تخوينًا… بل توصيفًا لواقع مأزوم.

إقليميًا، الصورة أخطر مما نتصور.
إيران تخوض مواجهة مفتوحة أو شبه مفتوحة، وتستخدم أوراقها في أكثر من ساحة.
غزة كانت إحدى هذه الأوراق.
لكن حين تصل النار إلى طهران نفسها، تتغير الأولويات.
تصبح كل ورقة قابلة لإعادة الترتيب.
الخليج الذي شعر أن التوتر يقترب من حدوده لن يقبل بساحة ملتهبة إلى ما لا نهاية.
ومصر لن تسمح بانفجار دائم على حدودها.
وإسرائيل تبحث عن صيغة “هدوء طويل” بلا أثمان سياسية حقيقية.

لكن هنا السؤال الأدق:
إذا كانت هناك مراحل مُعلنة…
وإذا كانت لجنة الإدارة جزءًا من تفاهمات المرحلة الثانية…
وإذا كان المفترض أن تباشر عملها داخل غزة…
فلماذا التأخير؟
هل التعطيل فني؟
أم سياسي؟
أم أن هناك من لا يريد إدارة مدنية تُقلّص مساحة الهيمنة؟
الناس لا تطالب بالمستحيل.
لا تطالب بمعجزات.
تطالب بأن ترى خطوة واحدة تتحرك في الاتجاه الصحيح.
إن كان هناك اتفاق… فليُحترم.
وإن كانت هناك لجنة… فلتأتِ.
وإن كان هناك مسار… فليبدأ.
أما ترك غزة معلّقة بين بيان وبيان…
فهذا أخطر من الفشل نفسه.
لأن الفشل واضح.
أما التعليق… فهو استنزاف بطيء.
المسألة لم تعد “من يحكم؟”
بل: كيف تُدار حياة الناس الآن؟
التمثيل الوطني ليس شعارًا.
هو شعور المواطن أن هناك جهة مسؤولة يمكن مساءلتها.
إن لم تبدأ الخطوات المعلنة في موعدها،
فالشك سيأكل الثقة.
والفراغ سيملأه تجار الحرب من جديد.
غزة لا تحتمل مرحلة انتقالية مفتوحة.
ولا تحتمل إدارة بالتصريحات.
الضوء لا ينطفئ فجأة..يخفت قليلًا… حين نسكت.. ويخفت أكثر… حين نؤجل.
ثم نستيقظ فنجد العتمة واقعًا.
السؤال لم يعد: من أطفأ الضوء؟
السؤال الآن: من يملك الشجاعة ليشعله… قبل أن نتعلم العيش في الظلام؟

اخر الأخبار