رأَت في ما يرى النائم
د. يوسف الحسن
أمد/ مدينة بحرية، على ضفة «البحر السفلي»، صباحاتها محاطة بالأزرق، لا تعرف الأوجاع المزمنة، جاذبة للهاربين من «زلازل» السياسة، و«عثرات» التنمية، أهلها يُبكرِّون نحو أرزاقهم، رجال أعمال بحقائبهم السوداء، و«شاشاتهم» المتلألئة، سياح وزوَّار وتجَّار طريق الحرير الجديد. مدينة يمكث فيها مبدعون، ولا يغادرون، وتصبح عنوانهم وطيب عيشهم الآمن، مدينة لا تنتج الكآبة، تحترم كل الكتب والعقائد، وتهتدي بحق الإنسان في الحياة، حياة كريمة معطاء.
تلقيت ذات ليلة قريبة مكالمة هاتفية من سيدة أندلسية الجذور، قارئة وتكثر التأمل والتسبيح، تصادقنا معها أثناء زياراتنا الصيفية المتكررة إلى بلدتها في جزيرة مايوركا.
وقالت: رأيت يا صديقي، بالأمس، في ما يرى النائم، أني نزلت في تلك المدينة البحرية، وفوجئت بأن الزحام في شوارعها شديد للغاية، وسألت سائق سيارة الأجرة، الذي أقلني من المطار: «ماذا يحدث هنا؟» نظر إليَّ باستغراب، وقال: «ألم تأتك الأخبار؟»، وتلاشى صوته في هدير السيارات المسرعة، قلت له: «أعرف أن حرباً عبثية قد نشبت على الضفة الأخرى من البحر السفلي».
وأضافت: «شعرت بالخوف، من أن يكون ما رأيته وسمعته في منامي قد يكون حقيقة في الواقع، وحينما وصلت إلى الفندق شاهدت خلقاً غير قليل في مدخل الفندق، بعضهم يحجب عينيه بكفيه وهم ينظرون إلى السماء، التي بدت لي أقرب إلى الاحمرار منه إلى اللون الأزرق السماوي».
واصلت السيدة الإسبانية حديثها بدون مقاطعة مني وأضافت: «سمعت في ما يسمع النائم، أحد العمَّال وهو يصرخ، كأنه يهذي ويقول: «إنها إشعاعات نووية» وهو يشير إلى غمامة حمراء في الفضاء، وسمعت صوتاً آخر يقول: إنها من نتائج الحرب، وربما بسبب نشاط زلزالي أحدث شقاً جيولوجياً في منطقة يدفن فيها الوقود النووي المستهلك، وتداخلت الأصوات في أذني، ولم أعد أسمع سوى صدى أصوات صارخة.
لم تتوقف السيدة عن الحديث، وقالت: كان كابوساً قاسياً، وثب قلبي في صدري، وتسلل القلق إلى أعماقي، وعزمت على العودة إلى وطني، وتواصلت مع السفارة الإسبانية، وجاء الرد منها: «لا تغتسلي إلّا بالمياه المعدنية، ولا تعرضي نفسك للشمس»، وأكملت حديثها، وذكرت أنها شعرت بأن رياحاً شديدة قد هبَّت ودفعت بالغمامة الحمراء نحو المحيط، وتلاشت تلك الرائحة الدخانية الكدرة من الهواء.
لم أتمكن من الرد، واكتفيت بالقول: «هوِّني عليك، إنه مجرد حلم وكابوس. وما أكثر الكوابيس في أزمنة الحروب العبثية». وسارعت لطرد خيالات سوداء مرت في الذاكرة حينما شهد العالم قبل أربعة عقود حادثة محطة تشرنوبيل.
في تلك الليلة قرأت لحفيدي الأصغر بدر حكاية عن قرية جميلة، معلقة على حافة السحاب.
وكأَنَّ حفيدي الصغير، الذكي والمحبوب، يعيش فيها مع أسرته وتلاميذ مدرسته، وكانت لديه هواية وعشق للرسم، واعتاد أن يرسم أزهاراً وطائرات ورقية، وغزالاً، وكوخاً خشبياً، فضلاً عن صور تُجسد أحلامه البريئة، ويظن أنها تحولت إلى حقيقة يعيشها في منزله وبين أقرانه الصغار وجيرانه.
وقد عاشت القرية، كما تقول الحكاية، ذات يوم، ليلة حالكة، غاب فيها القمر، وحضرت غُيُوم داكنة، فقام الطفل بدر برسم قنديل أضاء القرية، وحوَّل الغيوم إلى قوارب بأشرعة ملونة زاهية، وتحمل صناديق محشوة بلعب الأطفال والحلوى، لتظل قريته منارة للتائهين والمتعَبين ولأصحاب النوايا الطيبة، وصناع الغد الآمن والسعيد، والسلام الدائم والعادل.
عن الخليج الإماراتية
