ازدواجية المعاير الدولية:حصانة لقضاة محكمة العدل وعقوبات على آخرين
عبدالحكيم سليمان وادي
أمد/ في عالم القانون الدولي، حيث يفترض أن تسود العدالة والمساواة بين الأمم، تبرز مفارقات صارخة تكشف عن وجه آخر للعلاقات الدولية، وجه تتحكم فيه المصالح السياسية أكثر من المبادئ القانونية. من أبرز هذه المفارقات تلك التي تعيشها المؤسسات القضائية الدولية في لاهاي، حيث نجد أنفسنا أمام محكمتين دوليتين تتشاركان المقر، لكنهما تختلفان جذرياً في المعاملة الدولية. فبينما يتمتع قضاة محكمة العدل الدولية بالحصانة والاحترام، يتعرض قضاة المحكمة الجنائية الدولية لعقوبات أمريكية قاسية تجعلهم يعيشون كمنبوذين على قوائم الإرهاب. والأكثر إثارة للجدل، لماذا تلتزم المحكمة الجنائية الدولية الصمت ولا تتوجه إلى محكمة العدل الشقيقة للطعن في هذه العقوبات الغير قانونية وتجريدها من شرعيتها.
هذا المقال يحلل هذه الإشكالية المعقدة ويكشف عن الأسباب الحقيقية وراء هذا الصمت القاتل حيث تتمثل الإشكالية المحورية التي يعالجها هذا المقال في التساؤل التالي: لماذا يتمتع قضاة محكمة العدل الدولية بالحصانة الكاملة بينما يتعرض موظفو المحكمة الجنائية الدولية لعقوبات أمريكية قاسية، وما هي الأسباب القانونية والسياسية التي تمنع المحكمة الجنائية من اللجوء إلى محكمة العدل للطعن في هذه العقوبات وتجريدها من قانونيتها، خاصة وأن السكوت على هذه العقوبات يشكل جريمة بحق العدالة الجنائية الدولية ويعطل تنفيذ مبدأ عدم الإفلات من العقاب لمجرمي الحرب سوف نناقش هذه المشكلة كما يلي:
المحور الأول: ازدواجية المعايير.. محكمتان وحصانتان مختلفتان
محكمة العدل الدولية، ومقرها قصر السلام في لاهاي هولندا، وهي الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة. قضاتها يتمتعون بالحصانة الدبلوماسية الكاملة بموجب ميثاق الأمم المتحدة واتفاقية امتيازات وحصانات الوكالات المتخصصة. عندما يتنقل قضاة محكمة العدل بين نيويورك ولاهاي، تحميهم المكانة الدولية والاعتراف العالمي، وتصان حقوقهم من قبل جميع الدول الأعضاء في الامم المتحدة .
أما المحكمة الجنائية الدولية، فهي كيان معاهدة مستقل نشأت عبر اتفاقية روما عام 1998 ودخل قانونها حيز التنفيذ عام 2002، وهي هيئة قضائية مستقلة وليست جزءاً من منظمات الأمم المتحدة،ولكن هناك تنسيق إداري وتقني بين الطرفين.
هذا الاختلاف القانوني الدقيق جعلها أكثر عرضة للهجمات السياسية. ففي ديسمبر 2025، وضعت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب 11 من كبار مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية - 8 قضاة و3 موظفين عامين ومدعي عام المحكمة- على قوائم العقوبات الأمريكية . ومن جانب آخر،في فبراير 2026، فرضت واشنطن عقوبات "بدرجة إرهابية" على الدكتورة/فرانشيسكا ألبانيز، مقررة الأمم المتحدة الخاصة للأراضي الفلسطينية المحتلة، وموظفين آخرين في المحكمة .
المحور الثاني: معاناة قضاة المحكمة الجنائية مثل حياة المنبوذين.
الوصف ليس مجرد تعبير عاطفي، بل هو واقع يعيشه قضاة المحكمة الجنائية الدولية يومياً. القاضية/ لوز ديل كارمن إيبانيز كارانسا من البيرو تصف واقعها المرير: "نحن نُعامل كمنبوذين، نحن على قائمة مع إرهابيين وتجار مخدرات" رغم أننا قضاه في المحكمة الجنائية الدولية المعترف بها دوليا ولها مركزها القانوني.
كذلك القاضية الكندية/كيمبرلي بروست، التي عملت سابقاً في لجان العقوبات بالأمم المتحدة، تروي تفاصيل أكثر إيلاماً: "تفقد الوصول الفوري إلى جميع بطاقات الائتمان الرئيسية التي تمر عبر نظام سويفت، الذي تسيطر عليه أمريكا. تم إغلاق حساباتي في أمازون وجوجل. لا تستطيع دفع فواتيرك أو اشتراكاتك. أنت مشلول تماماً عندما يتعلق الأمر بحجز الفنادق والقطارات والرحلات الجوية. لا يمكنك شراء الدولارات لأن اسمك مُدرج في القوائم المحظورة" .
تضيف القاضية بروست: "هذه الإجراءات القسرية تهدف إلى الترهيب. ربما كان لها تأثير نفسي علينا جميعاً كقضاة. لكنني أتحدث باسم زملائي: لن نُرهب" .
هذه العقوبات تمتد لتشمل أنظمة المحكمة التقنية والمالية. المحكمة اضطرت لتحويل أنظمة تخزين البيانات والاتصالات المالية إلى منصات أوروبية، بعد أن كانت مهيمنة عليها من قبل شركات أمريكية . مسؤولو المحكمة يعترفون: "خطر الاضطراب التشغيلي الرقمي لا يزال قائماً" .
المحور الثالث: لماذا لا تلجأ المحكمة الجنائية إلى محكمة العدل.
هذا هو السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بقوة. لماذا تبقى المحكمة الجنائية الدولية صامتة، ولا تذهب إلى محكمة العدل الشقيقة لتطلب فتوى قانونية أو حكماً يجرد العقوبات الأمريكية من شرعيتها ويفضحها عالميا.
أولاً: مشكلة الاختصاص القضائي
محكمة العدل الدولية تختص بالنزاعات بين الدول، وليس بين الدول والمنظمات الدولية. المادة 34 من نظام محكمة العدل تنص صراحة على أن "الدول وحدها هي التي يحق لها أن تكون طرفاً في القضايا المعروضة على المحكمة". المحكمة الجنائية الدولية ليست دولة، بل منظمة دولية. وبالتالي، لا تملك حق التقاضي أمام محكمة العدل بصفة مدعية.
ثانياً: مشكلة قبول الاختصاص
حتى لو افترضنا إمكانية رفع دعوى، فإن الولايات المتحدة ليست طرفاً في نظام روما الأساسي، ولم تقبل باختصاص محكمة العدل إلزامياً. فالدول الكبرى، بما فيها الصين وروسيا والولايات المتحدة، انسحبت من الاختصاص الإلزامي لمحكمة العدل أو لم توافق عليه أبداً . والأكثر دلالة، أن الولايات المتحدة استخدمت حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن عام 1986 لمنع تنفيذ حكم محكمة العدل ضدها في قضية نيكاراغوا . هذه السابقة تجعل أي أمل في إنفاذ حكم ضد واشنطن حلماً طوباوياً.
في 28 أكتوبر 1986، استخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار في مجلس الأمن كان يدعو إلى "الامتثال الكامل والفوري" لحكم محكمة العدل الدولية الصادر في 27 يونيو 1986 .
كان حكم المحكمة قد قضى بإنهاء الدعم العسكري واللوجستي الأمريكي لـ"الكونترا" في نيكاراغوا، واعتبر ذلك انتهاكاً للقانون الدولي . جاء الفيتو الأمريكي ليمنع مجلس الأمن من اتخاذ أي إجراء لتنفيذ الحكم، بحجة أن المحكمة لا تملك اختصاصاً في النزاعات المسلحة .
ثالثاً: مجلس الأمن.. السيد الذي لا يُقهر
حتى لو حصلت المحكمة الجنائية على حكم من محكمة العدل، فإن تنفيذ هذا الحكم يتطلب لجوء الفائز بقرار محكمة العدل الدولية إلى مجلس الأمن. وهنا تكمن المأساة، باعتبار مجلس الأمن هو المكان الذي تمتلك فيه الولايات المتحدة حق النقض. كما يشرح التحليل القانوني، "هذه الطبيعة الطوعية للموافقة تخلق ثغرة، تسمح للدول القوية بقبول سلطة المحكمة بشكل انتقائي" .
النتيجة المحتومة ان أي محاولة لتنفيذ حكم ضد الولايات المتحدة ستقابل بفيتو أمريكي فوري، كما حدث في قضية نيكاراغوا.
المحور الرابع: لماذا تستهدف أمريكا المحكمة الجنائية دون محكمة العدل؟
أولاً: مذكرة اعتقال نتنياهو
السبب المباشر للعقوبات هو مذكرات الاعتقال التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر 2024 بحق رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي /بنيامين نتنياهو ووزير جيشه /يوآف جالانت، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة . هذه المذكرات أثارت غضب واشنطن، التي تعتبر إسرائيل حليفها الاستراتيجي.
ثانياً: التحقيق في أفغانستان
قبل ذلك، بدأت المحكمة تحقيقاً في جرائم حرب محتملة ارتكبها أفراد من الجيش الأمريكي ووكالة المخابرات المركزية في أفغانستان . ورغم أن المدعية العامة/فاتو بنسودا، أوقفت هذا التحقيق فعلياً في 2021، إلا أن واشنطن لم تنسَ. العقوبات طالت قضاة بسبب هذا التحقيق "المجمد"، مثل القاضية بروست .
ثالثاً: رسائل التكنولوجيا وانتهاك حقوق الإنسان.
كشف تحقيق لرويترز أن شركات تكنولوجيا أمريكية كبرى مثل (ألفابت، أمازون، كاتربيلر، شيفرون، هيوليت باكارد، آي بي إم، لوكهيد مارتن، مايكروسوفت، بالانتير) ضغطت على البيت الأبيض بعد تلقيهم رسائل من السيدة/ فرانشيسكا ألبانيز ،تحذرهم من أنهم "يساهمون في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان" في قطاع غزة . هذه الشركات تزود جيش الاحتلال الإسرائيلي بخدمات سحابية وذكاء اصطناعي لتشغيل أنظمة الأسلحة، بما في ذلك اختيار أهداف للقصف .
المحور الخامس: ماذا يمكن أن تفعل المحكمة الجنائية امام العقوبات عليها.
أولاً: تفعيل "اللائحة المعيقة" الأوروبية
بعض الدول الأوروبية حثت بروكسل على تفعيل "اللائحة المعيقة" (blocking statute)، التي تمنح الدول الأعضاء في المحكمة الحق في رفض تنفيذ القوانين الأمريكية التي تتعارض مع القواعد القانونية الأوروبية . لكن الخبراء يحذرون ان هذه الحماية قد تكون محدودة، فالشركات الأوروبية التي تخشى التداعيات على مصالحها الأمريكية قد توقف خدماتها للمحكمة لأسباب تجارية .
وللإشارة، ان "اللائحة المعيقة" (Blocking Statute) هي تشريع قانوني أوروبي صدر عام 1996،يهدف إلى حماية الكيانات والأفراد الأوروبيين من تطبيق القوانين الأمريكية ذات البعد الخارجي (extra-territorial) التي تتعارض مع القانون الأوروبي أو المصالح الأوروبية.
تعمل آليتها على النحو التالي :
1. تحظر على الشركات والأفراد الأوروبيين الامتثال لأي قرارات أو أوامر أمريكية تستهدفهم (مثل العقوبات).
2. تبطل أي أحكام قضائية أجنبية (خاصة الأمريكية) داخل أراضي الاتحاد الأوروبي إذا كانت تستند إلى تلك القوانين.
3. تسمح للكيانات المتضررة بمقاضاة من تسبب في ضرر لها داخل المحاكم الأوروبية واسترداد تعويضات.
الهدف منها توفير درع قانوني للدول الأوروبية لمواجهة الإجراءات الأمريكية أحادية الجانب، وإجبار واشنطن على التفاوض بدلاً من فرض العقوبات بشكل منفرد على دول الاتحاد الأوروبي .
ثانياً: طلب فتوى من محكمة العدل عبر الجمعية العامة.
يمكن للمحكمة الجنائية الدولية أن تطلب من الجمعية العامة للأمم المتحدة التقدم بطلب فتوى من محكمة العدل حول قانونية العقوبات الأحادية التي تهدد عمل مؤسسة قضائية دولية. هذا الخيار مطروح في الأدبيات القانونية، حيث أشارت مناقشات سابقة في لجنة ميثاق الأمم المتحدة إلى إمكانية طلب فتوى من محكمة العدل حول "القانونية والمبادئ التوجيهية لفرض العقوبات" .
ثالثاً: تحويل الموقف من مدعى عليه إلى مدعي
هذا هو الخيار الأكثر جرأة، أن تتحول المحكمة الجنائية من موقع المدعى عليه إلى موقع المدعي القوي، لكن ذلك يتطلب جرأة سياسية غير متوفرة حالياً. المحكمة تخوض معركة وجودية، تعيد هيكلة أنظمتها التقنية والمالية بعيداً عن الهيمنة الأمريكية ، لكنها تفتقر إلى الآلية القانونية لمواجهة واشنطن في ساحة قضائية محايدة.
ختاما يعتبر السكوت على العقوبات الأمريكية،جريمة ضد العدالة الجنائية الدولية، ويخلص هذا التحليل إلى نتيجة حاسمة، ان السكوت على عقوبات ترمب ضد المحكمة الجنائية الدولية هو جريمة ضد العدالة الجنائية الدولية، ولن يمكن من تنفيذ مبدأ عدم الإفلات من العقاب لمجرمي الحرب،لكن الواقع القانوني والسياسي الدولي يفرض قيوداً قاسية هي:
1- قانونياً: المحكمة الجنائية لا تستطيع التقاضي أمام محكمة العدل لأنها ليست دولة بل هيئة قضائية دائمة ومستقلة .
2-سياسياً: أي حكم ضد أمريكا سيواجه فيتو أمريكي في مجلس الأمن، كما حدث في قضية نيكاراغوا.
-3-عملياً: المحكمة تكافح للبقاء، وتعيد بناء أنظمتها لمواجهة الحصار.
من جهة أخرى،قالت القاضية في المحكمة الجنائية الدولية / إيبانيز ، "نحن القضاة لن نثنى. أنا لست هنا لأنني بحاجة للعمل. أنا هنا لأنني أعتقد أن مهمتي هي الفصل في القانون نيابة عن أشد الضحايا ضعفاً" .
لكن السؤال يبقى مفتوحاً، هل يكفي الشجاعة الفردية للقضاة لمواجهة آلة عقوبات دولة كبرى، أم أن المجتمع الدولي مطالب بتحرك جماعي لحماية مؤسسته القضائية الوحيدة القادرة على محاكمة مجرمي الحرب.
المحكمة الجنائية الدولية اليوم ليست فقط في مواجهة الولايات المتحدة، بل أيضاً في مواجهة روسيا التي حاكمت قضاتها غيابياً وأصدرت أحكاماً بالسجن تصل إلى 15 عاماً بحق المدعي العام/كريم خان. وثمانية قضاة في المحكمة، فعلا إنها معركة وجودية، والصمت فيها ليس خياراً، بل هو انتحار بطيء لمبدأ العدالة الدولية ذاته.
واخيراً يمكن القول، إن استمرار هذه الازدواجية في المعايير يهدد مصداقية النظام القضائي الدولي برمته، ويجعل من مبدأ "عدم الإفلات من العقاب" مجرد شعار يرفع في المؤتمرات دون أن يجد طريقه إلى التطبيق الفعلي. وفي النهاية، يبقى الضحية الأكبر هو العدالة نفسها، وتبقى الدماء التي أريقت في قطاع غزة على مدار عامين من الابادة الجماعية بلا محاسبة، بينما يتفرج العالم على مسرحية القانون الدولي التي أخرجتها السياسة وأبطالها لخدمة مصالحهم الخاصة في تجاهل تام لتحقيق العدالة الجنائية الدولية باعتبار المحكمة هي الملاذ الأخير للضحايا.
