انكشاف المظلة الأمنية الأمريكية وإعادة تشكيل معادلة الأمن في الخليج العربي

تابعنا على:   13:52 2026-03-09

د. طلال أبوركبة

أمد/ تكشف الحرب الدائرة اليوم بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، عن مأزق بنيوي في منظومة الحماية الأمنية التي ظلت دول الخليج العربي تراهن عليها لعقود طويلة. فهذه الدول التي أنفقت ثروات طائلة، وفتحت أراضيها لانتشار القواعد العسكرية الأمريكية باعتبارها مظلة ردع وضمانة للأمن والاستقرار، تجد نفسها اليوم في قلب دائرة الاستهداف، لا على هامشها. وبذلك تتحول معادلة الحماية التي بُنيت على فرضية الردع الأمريكي إلى معادلة إشكالية؛ إذ لم تمنع القواعد العسكرية من اقتراب الخطر، بل أسهمت – بصورة أو بأخرى – في استدعائه إلى المجال الخليجي ذاته.

إن هذا الواقع يضع الأسس التقليدية للأمن الخليجي أمام اختبار تاريخي عميق، حيث يتبدّى أن منظومة الأمن القائمة على الاعتماد الأحادي على القوة الأمريكية لم تعد قادرة، رغم الإمكانات المالية الضخمة، على تحصين الأرض أو حماية المجتمع من تداعيات الصراعات الإقليمية الكبرى. ومن ثمّ، فإن المشهد الراهن يفتح الباب أمام تحولات استراتيجية محتملة في فهم الأمن الخليجي، سواء من حيث طبيعة التحالفات أو أنماط التوازنات أو حتى مصادر الحماية ذاتها.

وفي هذا السياق، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة إعادة تموضع سياسي واستراتيجي قد تعيد رسم خريطة التفاعلات والتحالفات في الخليج، بما يتجاوز نموذج الهيمنة الأمنية الأمريكية المطلقة الذي طبع مرحلة ما بعد حرب الخليج الثانية. فالفارق يبدو شاسعاً بين المقاربة الاستراتيجية التي رسخها جورج بوش الأب في مطلع تسعينيات القرن الماضي، حين أُعيد تشكيل النظام الأمني الخليجي تحت مظلة القيادة الأمريكية، وبين النزعة الشعبوية والانكفائية التي طبعت سياسات دونالد ترامب، والتي أعادت طرح سؤال الاعتماد على الحماية الخارجية بوصفه سؤالاً مفتوحاً على احتمالات متعددة.

وعليه، فإن ما يجري اليوم لا يمثل مجرد جولة صراع عسكري في الإقليم، بقدر ما يشير إلى لحظة مفصلية قد تدفع دول الخليج إلى مراجعة عميقة لمفهوم أمنها الاستراتيجي، والبحث عن صيغ أكثر توازناً وتعدداً في التحالفات، بما يحد من هشاشة الاعتماد الأحادي ويؤسس لمنظومة أمنية أكثر استقلالاً وقدرة على التكيف مع تحولات النظام الإقليمي والدولي.

اخر الأخبار