حزب الله بين استراتيجية "الغموض البناء" ومعركة تصحيح الردع: قراءة في التحول الاستراتيجي بعد حرب الإسناد

تابعنا على:   15:04 2026-03-09

محمد المحسن

أمد/ قبل أن يعيد حزب الله اللبناني تفعيل جبهة القتال ضد إسرائيل،كان المشهد السياسي والإعلامي يعج بالتكهنات والتساؤلات الوجودية حول مستقبل الحزب.هل استنزفته الحرب الطويلة التي خاضها "إسناداً" لغزة؟ هل أضعفته الضغوط الداخلية المتزايدة في لبنان والمطالبة بنزع سلاحه؟ وهل لا يزال يشكل الرقم الصعب في المعادلة الإقليمية؟

في الطرف الآخر،راهنت السردية الإسرائيلية، بمساعدة آلة إعلامية ضخمة،على أن "حزب الله انتهى"،متوقعة أن يكون أي تدخل له رمزيا ومحدودا.لكن هذه السردية اصطدمت بصخرة الواقع.بالمقابل،كانت السردية الداعمة للمقاومة تفتقر إلى أدلة ملموسة في ظل انقطاع المعلومات عن الواقع الداخلي للحزب،فاكتفت بالاستناد إلى تاريخه النضالي ومتانة بنيته التنظيمية ورسوخ حاضنته الشعبية،قائلة إن الخيارات ما زالت مفتوحة.

لم يطل الانتظار طويلا.فبعد ستة أيام فقط من انخراطه المباشر في المواجهات،تحولت جبهة جنوب لبنان إلى بؤرة صراع رئيسية،وأثبت الحزب مجددا أنه عامل لا يمكن تجاوزه في أي معادلة إقليمية.حتى الخبراء العسكريون في "إسرائيل" اضطروا إلى الاعتراف بخطئهم في تقدير جهوزية الحزب وقدرته على الصدمة.

فماذا حدث في الخمسة عشر شهرا الفاصلة؟!

الكاتب اللبناني إبراهيم الأمين* تناول هذا التحول في مقاله بصحيفة "الأخبار"،مسلطا الضوء على عملية إعادة هيكلة صامتة وطموحة داخل الحزب. يكتب الأمين:

"خلال الأشهر الخمسة عشر الماضية،كان الجمهور يتعامل حصرا مع الجسم المدني في الحزب.جرى تنشيط عمل المؤسسات التربوية والصحية والخدماتية،وإعادة تسيير جزء مهم من العمل التنظيمي والدعوي.في المقابل،كان هناك جسم كبير يختفي تدريجيا عن المشهد العلني،وخلال فترة قصيرة انتقل كليا إلى العمل تحت الأرض. وهو الجسم الجهادي،الذي فرضت الحرب عليه تغييرات شاملة.مع الوقت،صار الحديث العلني عن الجسم الجهادي يتراجع.."

يشرح الأمين أن التركيز على الجسم المدني لم يكن سوى وجه العملة،بينما كان الوجه الآخر يخضع لأعمق عملية تحول في تاريخه.ففور وقف إطلاق النار في الجولة السابقة،أعادت قيادة الحزب تثبيت هويتها الجوهرية: "نحن حركة جهادية نمتلك أذرعا سياسية ومدنية".

 انطلاقا من هذه القاعدة،دخل الحزب في مرحلة "تعافي" خاصة به،مختلفة جذريا عن المفهوم الإسرائيلي للكلمة.

كان القرار المصيري هو اعتماد "استراتيجية الغموض" الشاملة.وتم سحب ملفات المقاومة من أي تداول،حتى داخل أروقة الحزب نفسه.وتم-أيضا-نسف العديد من القواعد التي كانت سائدة قبل "حرب الإسناد".ونتيجة لذلك، اختفى الجسم الجهادي عن الأنظار تماما،ليس فقط عن الإعلام،بل حتى عن أعين الصحافيين المخضرمين الذين ألفوا سهولة الوصول إلى المعلومات في السابق.لم تعد هناك عناوين واضحة،ولا أسماء مؤكدة،ولا إمكان للقاءات.

 يقول الأمين: "بات واضحا أن استراتيجية الغموض فرضت وقف كل أشكال التواصل".

-التكيف مع الواقع الجديد: من الصدمة إلى اليقين:

في الخفاء،كانت لجان التقييم الداخلية تعمل على استخلاص الدروس من الحرب.وكانت الخلاصة الأولى والأهم هي ضرورة تكريس هذا الغموض وحوكمته.ولم يكن هذا القرار سهلا،وأساء بعض الأنصار فهمه في البداية،معتبرينه دليل عجز أو ارتباك.لكن القيادة صمدت ولم تخضع للضغط، وطبقت عقوبات صارمة على أي خرق لقواعد العمل الجديدة،حتى في التفاصيل البسيطة.

ما حققته هذه السياسة هو نقل المواجهة مع العدو الإسرائيلي إلى مربع جديد كليا.فـ"إسرائيل" التي كانت تملك معرفة واسعة ببنية الحزب ومواقعه وقادته،وجدت نفسها فجأة أمام صندوق أسود.وكلما مر الوقت،ازداد القلق الإسرائيلي. عندما نجح العدو في اغتيال القائد الجهادي السيد هيثم الطبطبائي (أبو علي)،بدا وكأنه سبق زمني محدود،مما دفع الحزب إلى مزيد من التشدد والانتقال بمستوى الحذر إلى أعلى الدرجات.ووصل الأمر إلى أن قيادات سياسية بارزة في الحزب باتت تقول بصراحة إنها ليست على اطلاع بما يفعله الجسم الجهادي،مستندين إلى قاعدة جديدة مفادها: "لا يجوز لك أن تعرف ما لا يجب أن تعرفه".

-معركة تصحيح الخطأ: ما بعد الغموض:

هذا التقديم الطويل يهدف إلى فهم ما يجري اليوم.فمع عودة المواجهات،سيكون من العبث انتظار صورة واضحة عما يقوم به الجسم الجهادي.وما يمكن استنتاجه من الوقائع أن العدو، الذي كان يقرأ عقيدة الحزب ككتاب مفتوح،أصبح اليوم يعاني من العمى التكتيكي والاستراتيجي تجاهه.هذا التحول هو ثمرة أشهر من العمل الصامت تحت الأرض.

وانطلاقا من هذه المعادلة الجديدة،يدخل حزب الله المواجهة الحالية من موقع "معركة تصحيح الخطأ".إنها ليست مجرد رسالة تضامن مع إيران، بل استثمار للظرف الإقليمي لفرض معادلة جديدة. إنها إثبات أن للصبر حدودا،وأن السبيل الوحيد لتغيير المعادلة السلبية على الأرض هو المواجهة المباشرة.

-الرهان على المستحيل: بين الوجودي والسياسي:

وفق هذه القاعدة،يصبح الحديث عن تسوية سياسية أو صفقة تكتيكية أمرا غير واقعي. فإسرائيل تتعامل من منطلق أنها المنتصرة في حربها على إيران وتسعى لتطبيق منطق "ما لا يتحقق بالقوة يمكن تحقيقه بالمزيد من القوة" على لبنان،معتمدة على تفوقها الناري والضغط على بيئة المقاومة لحصد تنازلات سياسية.

وهذا هو الخطأ الإسرائيلي الأكبر.فالمقاومة التي تخوض هذه الحرب ليست حديثة عهد بقراءة العقل الإسرائيلي ووحشيته،والتي تجلت في مشاهد الدمار بغزة وحرب الإسناد والـ66 يوما. وقرار العودة إلى القتال لم يكن رد فعل اضطراريا، بل كان خيارا وجوديا بامتياز.

هكذا،فإن معركة اليوم تتجاوز حدود الجغرافيا اللبنانية أو الفلسطينية،لتصبح اختبارا حاسما لمستقبل قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط.فإذا كان حزب الله قد نجح في تحويل "استراتيجية الغموض" إلى سلاح استباقي،فإنه يسعى اليوم إلى ترجمة هذا السلاح إلى واقع سياسي-عسكري ملموس.إنها محاولة لفرض معادلة جديدة مفادها أن المقاومة،بعد أن أعادت بناء ذاتها في الظلام، لن تقبل إلا بإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل الثامن من تشرين الأول/ أكتوبر 2023،بل وربما إلى ما هو أبعد من ذلك.إما العودة إلى قواعد الاشتباك السابقة مع ضمانات بعدم الاختراق والاغتيال،معركة الوعي والاستنزاف،وإما الاستمرار في خيار المواجهة حتى النهاية،لأن الخيارات أمام من يمتلك يقينا وجوديا تصبح بسيطة وواضحة: النصر أو الشهادة،ولا مجال للتراجع أو المساومة على الثوابت. 

في هذه المعادلة الصلبة،يبدو أن كل الأوراق رفعت،وستكشف الأيام القادمة ما إذا كانت استراتيجية الغموض كافية لكشف عجز العدو عن فهم "العقل الجديد" لحزب الله.

على سبيل الخاتمة: مفترق طرق وجودي

الوقائع على الأرض تقود إلى استنتاج واحد: نحن أمام مواجهة وجودية،وليست تكتيكية.إن رهان حزب الله على استراتيجية الغموض لإعادة بناء قدراته،وتحويل معركة الإسناد إلى معركة تصحيح للردع،يضع المنطقة أمام خيارين لا ثالث لهما: إما العودة إلى ما قبل 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 بضمانات أكيدة توقف العدوان والتحرش الإسرائيلي،وإما الانزلاق إلى حرب مفتوحة لا يعرف أحد كيف ستتدحرج ولا أين ستنتهي.!

في هذه اللحظة،يبدو أن لغة البندقية هي السائدة، وأن أي حديث عن تسوية سياسية في ظل هذا السباق المحموم نحو الهاوية،هو مجرد وهم لا يعكس حقائق الدم والنار على الحدود.

اخر الأخبار