تقرير: إعلان مجتبى خامنئي مرشداً أعلى لإيران خلفاً لوالده.. ترسيخ للنهج الأمني وتكريس لـ "الوراثة السياسية"
أمد/ طهران: أثار إعلان اختيار مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى جديدًا لإيران، بعد مقتل والده علي خامنئي في 28 فبراير/شباط نتيجة غارات جوية إسرائيلية وأمريكية، موجة واسعة من النقاش والقلق داخل إيران وخارجها. ويرى الباحث الإيراني سعيد غلكار أن هذا القرار يمثل نقطة تحول مهمة في مسار الجمهورية الإسلامية، إذ يعكس طبيعة النظام في لحظة أزمة عميقة ويكشف حدود قدرته على التجدد السياسي.
وبحسب التحليل، جاء اختيار مجتبى خامنئي بعد تسعة أيام فقط من مقتل والده، في عملية وصفت بأنها جرت بدرجة عالية من الغموض. إلا أن طبيعة آلية الاختيار لا تغيّر من دلالته السياسية الأساسية، إذ يشير القرار إلى اتجاه النظام نحو ترسيخ الاستمرارية في بنيته الأمنية والأيديولوجية بدل البحث عن صيغة إصلاحية أو انتقال سياسي مختلف.
ويُعد مجتبى خامنئي شخصية نافذة داخل النظام الإيراني منذ عقود، رغم بقائه بعيدًا عن الواجهة الرسمية. فقد بدأ حضوره السياسي بعد تولي والده منصب المرشد الأعلى عام 1989، وتمكن تدريجيًا من بناء شبكة نفوذ واسعة داخل مؤسسات الدولة. وتشير مذكرات الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني إلى تدخلاته المتكررة في الشأن السياسي، كما اتهمه السياسي الإصلاحي مهدي كروبي عام 2005 بالتأثير في الانتخابات الرئاسية التي أوصلت محمود أحمدي نجاد إلى السلطة.
وخلال الاحتجاجات التي شهدتها إيران عام 2009 في إطار ما عُرف بـ”الحركة الخضراء”، لعب مجتبى دورًا مهمًا في الإشراف على عمليات قمع المتظاهرين، وهو ما جعل اسمه يتحول إلى هدف مباشر للهتافات المناهضة للنظام. ومنذ تلك الفترة، ارتبط اسمه في الوعي الشعبي الإيراني بالنهج الأمني الصارم للدولة.
ويرى غلكار أن مجتبى خامنئي يتبنى الرؤية السياسية نفسها التي حكمت مرحلة والده، والتي تقوم على العداء الشديد للولايات المتحدة وإسرائيل، ودعم ما يُعرف بمحور المقاومة، إلى جانب الإيمان بأن أدوات القوة والإكراه هي الوسيلة الأساسية للحفاظ على السلطة. ولذلك فإن صعوده إلى منصب المرشد الأعلى يبعث برسالة واضحة بأن النظام الإيراني لا يعتزم إجراء أي مراجعة جوهرية لمساره السياسي.
ويحظى هذا الخيار، وفق التحليل، بدعم قوي من الحرس الثوري الإيراني، الذي تربطه علاقات وثيقة بمكتب المرشد وشبكته السياسية. ففي ظل ظروف الحرب والاضطراب الداخلي، تفضّل المؤسسات الأمنية شخصية مألوفة وقريبة منها على أي شخصية دينية أو سياسية قد تعيد فتح باب التوازنات داخل النخبة الحاكمة أو تطرح احتمالات التفاوض مع الغرب.
ولا يتمتع مجتبى خامنئي بقاعدة شعبية مستقلة، إذ لم يصعد عبر المؤسسات التقليدية للنخبة الدينية في إيران، بل اكتسب نفوذه من خلال قربه من مركز السلطة وشبكة علاقاته داخل الأجهزة الأمنية والمؤسسات المحافظة. ومع مرور الوقت، عزز علاقاته بالحرس الثوري وقوات الباسيج ودوائر رجال الدين المحافظين الذين يرونه امتدادًا مباشرًا لنهج والده.
ويعكس هذا التطور، بحسب المقال، تحول النظام الإيراني تدريجيًا إلى ما يمكن وصفه بـ”الدولة اللاهوتية الأمنية”، حيث أصبحت القوة القسرية والولاءات المؤسسية أهم من الكاريزما الدينية أو الشرعية السياسية التقليدية.
ومن المتوقع أن يؤدي تولي مجتبى خامنئي المنصب إلى قدر من التماسك المؤقت داخل النخبة الحاكمة، إذ يوفر شخصية يمكن أن تلتف حولها المؤسسات الأساسية للنظام، بما في ذلك الحرس الثوري والأجهزة الاستخبارية والسلطة القضائية والمؤسسة الدينية المحافظة. وغالبًا ما تميل الأنظمة السلطوية في أوقات الأزمات الوجودية إلى اختيار الاستمرارية والاستقرار المؤسسي بدل المغامرة بالتغيير.
لكن على المستوى الداخلي، يتوقع التحليل أن يؤدي هذا الخيار إلى تصاعد التوتر بين النظام والمجتمع الإيراني. فالكثير من الإيرانيين، الذين يعانون من أزمات اقتصادية وسياسية حادة، ينظرون إلى انتقال السلطة داخل العائلة نفسها باعتباره دليلاً على انغلاق النظام وعدم استعداده للاستجابة لمطالب التغيير.
ويرى غلكار أن المؤسسة الأمنية الإيرانية تفسر مظاهر الاحتجاج والانتقاد داخل المجتمع على أنها مؤشر إلى تراجع الخوف لدى قطاعات واسعة من الإيرانيين. ومن المرجح أن يكون ردها على ذلك مزيدًا من التشدد الأمني ومحاولات إعادة فرض السيطرة السياسية والاجتماعية بالقوة.
ويخلص المقال إلى أن اختيار مجتبى خامنئي قد يساعد النظام الإيراني على الحفاظ على تماسكه في المدى القصير، لكنه في الوقت نفسه يؤكد المسار الذي سلكته الجمهورية الإسلامية خلال العقود الماضية، وهو التحول إلى نظام مغلق ووراثي يعتمد بدرجة متزايدة على أجهزة القمع للحفاظ على بقائه. ويرى الكاتب أن هذا التطور لا يمثل بداية مرحلة جديدة بقدر ما يعكس حالة من الإرهاق السياسي داخل النظام نفسه.
