غزة… ضحايا الموت وضحايا البقاء

تابعنا على:   13:47 2026-03-14

د عبد الرحيم محمود جاموس

أمد/ في قلب قطاع غزة، حيث تختلط رائحة الخوف بالحرمان، يختبر البشر حدود الاحتمال الإنساني. هنا، لم تعد الحرب مجرد قصف وأرقام، بل واقع يومي من البؤس والمعاناة، يعيش فيه مليونين من البشر أشد أنواع الضحايا: إنهم ضحايا البقاء.
مأساة البقاء… بعد الموت ...
الذين قضوا تحت القصف كانوا ضحايا مباشرين، لكن من بقوا على قيد الحياة يعيشون شكلاً آخر من الضحية: الجوع، العطش، المرض، وفقدان المأوى. المخيمات المكتظة، حيث تتلاصق الخيام كما لو تحتمي ببعضها، تعكس حجم المعاناة: مياه محدودة، غذاء ناقص، خدمات صحية ضعيفة، وغياب الأمان النفسي.
الأطفال الذين نجوا يواجهون خطراً أكثر بطئاً لكنه أشد قسوة: سوء التغذية، الأمراض المعدية، والصدمات النفسية العميقة التي سترافقهم سنوات طويلة.
فالحرب لا تقتل فقط، بل تترك مجتمعات مثقلة بالجراح، وأجيالاً تنشأ وسط الخوف والحرمان وانعدام الأفق.
العجز الدولي…
حين تتعطل القيم ...
سياسياً، تكشف مأساة غزة خللاً عميقاً في النظام الدولي.
العالم الذي يرفع شعارات حماية المدنيين يبدو عاجزاً أمام واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العصر الحديث.
ويبرز هذا العجز في أداء مجلس الأمن الدولي، الذي يفترض أنه الجهة المسؤولة عن حفظ السلم والأمن العالميين.
الانقسامات السياسية واستخدام حق النقض حولت المجلس إلى ساحة تجاذب بين القوى الكبرى، بدل أن يكون أداة حماية فعالة للشعوب.
وفي هذا الواقع، تظهر المفارقة بين الكلام عن السلام والمعاناة المستمرة على الأرض، حيث يبرز اسم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يترأس ما يسمى بمجلس السلام، في تناقض صارخ بين العنوان والواقع.
بينما تتردد كلمات السلام، يزداد البؤس يوماً بعد يوم، وكأن الفجوة بين الخطاب والواقع جزء من المأساة نفسها.
اختبار القانون الدولي ...
من الناحية القانونية، يضع ما يحدث في غزة القانون الدولي الإنساني أمام اختبار حقيقي.
القواعد التي وضعت بعد الحروب الكبرى تقوم على مبدأين أساسيين: حماية المدنيين، ومنع استهداف البنية التحتية الحيوية.
غير أن حجم الدمار في الأحياء السكنية والمستشفيات والمدارس يثير تساؤلات جدية حول مدى احترام هذه القواعد، ويكشف محدودية قدرة القانون الدولي على فرضها أمام مصالح القوى الكبرى. استمرار المأساة دون مساءلة قانونية يهدد مصداقية القانون الدولي برمته، ويحوّل نصوصه إلى شعارات بلا تأثير فعلي.
المجتمع على حافة الانهيار ...
الأثر الأكثر عمقاً للحرب يتجلى في البعد الاجتماعي والإنساني.
المجتمع في غزة، المعروف بقدرته على الصمود، يواجه اليوم تحدياً وجودياً.
عائلات فقدت بيوتها وأخرى فقدت أبناءها، وأطفال نشأوا فجأة وسط الخوف والجوع وانعدام الاستقرار. هذه المأساة لا تقتصر على الحاضر، بل تمتد لتلقي بظلالها على المستقبل، حيث ينشأ جيل كامل في بيئة تتآكل فيها مقومات الحياة الطبيعية والتعليم والأمان.
الحل…
تمكين الشعب الفلسطيني ...
إن ما يحدث في غزة ليس مجرد فصل جديد في صراع طويل، بل امتحان حقيقي لضمير الإنسانية. التاريخ يقيس الأمم بما تفعله حين تُختبر قيمها.
وإذا كان الذين قضوا قد دفعوا الثمن الأعظم، فإن الذين بقوا يدفعون اليوم ثمناً آخر لا يقل قسوة: ثمن الانتظار الطويل للعدالة والحياة الكريمة.
والخيار السياسي والإنساني الذي يضع حدًا لهذه المأساة واضح: تمكين الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، إقامة دولته المستقلة، وعاصمتها القدس، بعيداً عن الاحتلال والحروب المستمرة.
فهذا الطريق ليس مجرد حل سياسي، بل شرط أساسي لإعادة الكرامة للإنسان الفلسطيني، وكسر دورة العنف والمعاناة التي استمرت عقوداً.
غزة اليوم لا تحتاج إلى تعاطف عابر، بل إلى إرادة حقيقية لإحقاق العدالة، حماية المدنيين، وتمكين الشعب الفلسطيني من العيش بحرية وكرامة في دولته المستقلة وعاصمتها القدس، لتستعيد الإنسانية بعضاً من قيمتها وكرامتها الضائعة.

اخر الأخبار