الحرب في الشرق الأوسط: أبعاد عسكرية واستراتيجية ودبلوماسية
أمد/ واشنطن: تشهد الحرب الجارية في الشرق الأوسط تصعيدًا عسكريًا واسعًا بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، مع انعكاسات إقليمية تتجاوز ساحة المواجهة المباشرة لتشمل دول الخليج وجنوب آسيا. ويشير تحليل حديث صادر عن International Institute for Strategic Studies إلى أن الصراع الحالي يكشف تحولات عميقة في ميزان الردع العسكري في المنطقة، ويطرح في الوقت ذاته رهانات استراتيجية كبرى لواشنطن وحلفائها.
الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة
وفقًا لتحليل عسكري أعدّه الباحث دوغلاس باري في المعهد، اعتمدت إيران لسنوات طويلة على ترسانة الصواريخ الباليستية قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى باعتبارها الركيزة الأساسية لاستراتيجية الردع. غير أن المواجهة الحالية مع إسرائيل والولايات المتحدة أظهرت حدود فعالية هذه الاستراتيجية في ظل التفوق الجوي الكبير الذي تتمتع به القوتان.
ويشير التقرير إلى أن إيران استهلكت جزءًا مهمًا من مخزونها من الصواريخ المتوسطة والبينية خلال ما عُرف بـ«حرب الاثني عشر يومًا» في يونيو (حزيران) 2025، بينما تعتمد قدرتها على تعويض هذا المخزون على سرعة إصلاح منشآت الإنتاج المتضررة وتأمين المواد الخام اللازمة لإنتاج الوقود الصاروخي.
ورغم ذلك، يقدّر التقرير أن إيران أطلقت أكثر من 700 صاروخ باليستي منذ بدء التصعيد الأخير، استهدفت إسرائيل والإمارات بشكل رئيسي. وتفيد بيانات الدفاع الجوي بأن معظم هذه الصواريخ تم اعتراضها.
ففي الإمارات، أعلنت وزارة الدفاع أنه حتى 9 مارس (آذار) 2026 تم التعامل مع 253 صاروخًا باليستيًا، لم يصب الأراضي الإماراتية منها سوى صاروخين فقط، فيما سقط عدد آخر في البحر.
كما تعرضت إيران لضربات جوية مكثفة استهدفت مواقع تخزين الصواريخ ومنصات الإطلاق المتحركة، المعروفة عسكريًا باسم TEL، والتي يُعتقد أن إيران تمتلك منها نحو 400 منصة. ويرى التقرير أن تدمير هذه المنصات قد يكون أكثر تأثيرًا من اعتراض الصواريخ نفسها، لأنه يحد من القدرة التشغيلية لإطلاقها.
إلى جانب الصواريخ، استخدمت إيران أعدادًا كبيرة من الطائرات المسيّرة الهجومية أحادية الاتجاه، وعلى الأرجح من طراز «شاهد-136». وتشير التقديرات إلى أن الإمارات رصدت نحو 1440 طائرة مسيّرة منذ بدء الهجمات، تم اعتراض نحو 94 في المائة منها.
احتمالات تطوير صواريخ عابرة للقارات
ويلفت التقرير إلى أن دوائر الاستخبارات الأمريكية تدرس احتمال سعي إيران لتطوير صواريخ عابرة للقارات خلال العقد المقبل. فقد رجّح تقرير لوكالة استخبارات الدفاع الأمريكية أن إيران قد تمتلك ما يصل إلى 60 صاروخًا عابرًا للقارات بحلول عام 2035 إذا قررت المضي في هذا البرنامج، مستفيدة من برامج إطلاق الأقمار الصناعية التي تطورها حاليًا.
الرؤية الأمريكية: «شرق أوسط جديد»
في البعد الاستراتيجي، يرى تحليل آخر للباحث جون راين في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أن واشنطن تنظر إلى الحرب الحالية ضمن سياق أوسع يتعلق بإعادة تشكيل التوازنات السياسية في المنطقة.
فبحسب التحليل، انتقلت السياسة الأمريكية تجاه إيران في عهد الرئيس دونالد ترامب من هدف «الاحتواء» التقليدي إلى هدف أكثر طموحًا يتمثل في تغيير النظام.
وتعتقد الإدارة الأمريكية أن إزالة النظام الإيراني قد تفتح الباب أمام إعادة دمج إيران في الاقتصاد العالمي ورفع العقوبات عنها، بما يسمح بإعادة ضخ احتياطياتها الضخمة من النفط والغاز في الأسواق الدولية.
كما ترى واشنطن أن تغيير النظام قد يخفف من التوترات الإقليمية المرتبطة بالصراع مع إسرائيل، ويعزز مسار التطبيع الذي بدأ مع «اتفاقات أبراهام».
ومن منظور استراتيجي أوسع، يشير التقرير إلى أن الولايات المتحدة ترى في إيران أيضًا موطئ قدم لكل من روسيا والصين في الشرق الأوسط، وأن إضعاف هذا النفوذ يمثل أحد أهدافها غير المعلنة في الصراع الحالي.
لكن هذا المسار يحمل مخاطر سياسية للرئيس الأمريكي، إذ قد يتعارض مع تعهداته السابقة بتجنب الحروب الطويلة، خصوصًا إذا تطور الصراع إلى مواجهة إقليمية أوسع.
باكستان بين السعودية وإيران
على صعيد آخر، يوضح تحليل ثالث للباحث أنطوان ليفيسك أن الحرب وضعت باكستان في موقف دبلوماسي معقد، بين علاقاتها الوثيقة مع السعودية والولايات المتحدة، وبين حدودها المشتركة مع إيران.
فقد وقعت إسلام آباد في سبتمبر (أيلول) 2025 اتفاقية دفاع مشترك مع السعودية، ما يجعلها نظريًا جزءًا من منظومة الأمن الخليجي. لكن في الوقت نفسه تحرص باكستان على تجنب مواجهة مباشرة مع إيران، خاصة في ظل وجود أقلية شيعية كبيرة داخل البلاد.
وقد أدانت الحكومة الباكستانية مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، معتبرة ذلك انتهاكًا للقانون الدولي، في محاولة للحفاظ على توازن حساس في علاقاتها الإقليمية.
كما تواجه باكستان تحديات أمنية داخلية، أبرزها عملياتها العسكرية ضد حركة طالبان الباكستانية على الحدود مع أفغانستان، إلى جانب التوتر المستمر مع الهند بعد المواجهة الجوية التي استمرت 88 ساعة بين البلدين العام الماضي.
ويرى التقرير أن قدرة باكستان على تقديم دعم عسكري مباشر لدول الخليج تبقى محدودة في الوقت الراهن، وأن أي دور قد تلعبه سيكون في الغالب سياسيًا أو لوجستيًا، مع الحرص على عدم الإضرار بعلاقاتها مع الصين، الحليف الاستراتيجي الرئيسي لها.
