العقوبات الأمريكية تقتل 30 مليون شخص حول العالم (1971-2025)
عبدالحكيم سليمان وادي
أمد/ على مدى أكثر من نصف قرن، اعتُبرت العقوبات الاقتصادية الأداة المثلى في السياسة الخارجية الأمريكية، حيث تم الترويج لها كبديل "سلمي" وأقل تكلفة من الحروب. غير أن الدراسات الأكاديمية المحكمة، ولا سيما دراسة مرجعية نُشرت في مجلة لانسيت المرموقة على موقعها في شهر اغسطس 8/2025، كشفت النقاب عن وجه آخر لهذه الأداة. فالأرقام التي خرجت بها الدراسة تشير إلى أن هذه العقوبات تودي بحياة أكثر من نصف مليون إنسان سنوياً، وهو رقم يعادل تقريباً إجمالي الوفيات الناجمة عن النزاعات المسلحة حول العالم.
إذا قمنا بتمديد هذا المعدل على مدى العقود الممتدة من عام 1971 إلى عام 2021، فإن الرقم التراكمي يقترب من حاجز 30 مليون وفاة. هذا الرقم الصادم، الذي تبناه سياسيون وأكاديميون غربيون مثل جون ميرشايمر، يحول النقاش من فاعلية العقوبات إلى شرعيتها الأخلاقية، وعليه يطرح تساؤلاً جوهرياً هل تحولت أدوات الهيمنة الاقتصادية الغربية إلى آلية عقاب جماعي شامل.
الإشكالية الرئيسية تكمن في سؤال مركزي،من المسؤول عن الموت.
تضع هذه المعطيات الباحثين وأصحاب القرار أمام إشكالية مركزية تتشعب إلى عدة أسئلة فرعية منهجية وأخلاقية وهي:
-إشكالية السببية: كيف يمكن لعلم الإحصاء أن يعزل تأثير العقوبات عن تأثير الحروب الأهلية، أو سوء الإدارة المحلية، أو الأوبئة الطبيعية في البلد المستهدف.
-إشكالية المسؤولية: هل تتحمل الدولة التي تفرض عقوبات على نظام سياسي المسؤولية القانونية المباشرة عن وفاة طفل نتيجة نقص الدواء، أم أن المسؤولية تقع على عاتق النظام المحلي الذي يفشل في تأمين احتياجات شعبه بسبب العقوبات الأميركية.
-إشكالية التمايز: لماذا تثبت الدراسات أن العقوبات الدولية متعددة الأطراف (عقوبات الأمم المتحدة) أقل فتكاً، في حين أن العقوبات أحادية الجانب (الأمريكية تحديداً) هي الأكثر تدميراً للشعوب المحاصرة.
هذه الإسئلة المتفرعة هي التي تجعل من دراسة لانسيت نقطة تحول في فهمنا للسياسة الدولية، حيث تنتقل بنا من تحليل "السيادة" إلى تحليل "البقاء" والتي سنتناولها كما يلي:
أولاً: تفكيك الدراسة – منهجية "لانسيت" في قياس الموت.
اعتمد الباحثان فرانسيسكو رودريغيز ومارك فايسبورت على قاعدة بيانات عالمية للعقوبات تغطي 152 دولة بين عامي 1971 و2021. لكن ما يميز دراستهما هو التقدم المنهجي الكبير؛ فلم يكتفيا بالربط البسيط بين فرض العقوبات وارتفاع الوفيات، بل استخدما تقنيات إحصائية متقدمة مثل "موازنة الانتروبيا" و"اختبارات سببية جرانجر" لعزل المتغيرات الأخرى.
وللإشارة،هذان مفهومان إحصائيان متقدمان استخدمهما( باحثو لانسيت )لضمان دقة النتائج. إليك شرح مبسط لهما:
-موازنة الانتروبيا (Entropy Balancing) والهدف منها ضمان "المقارنة العادلة".
للتوضيح بالشرح المبسط: تخيل أنك تريد مقارنة تأثير العقوبات على دولة مثل إيران، ولكنك لا تستطيع مقارنتها بدولة عشوائية مثل النرويج أو كندا، لأنهما مختلفتان تماماً من حيث عدد السكان ومستوى الدخل. تقوم "موازنة الانتروبيا" بإعادة وزن عينة الدول غير الخاضعة للعقوبات (المجموعة الضابطة) بحيث تصبح مطابقة إحصائياً للدول الخاضعة للعقوبات من حيث الخصائص الأساسية (كالدخل ومعدلات الفقر). هذا يضمن أن أي اختلاف في الوفيات لاحقاً يمكن أن يُعزى للعقوبات وليس للفروقات الأصلية بين الدول.
-اختبارات سببية جرانجر (Granger Causality Tests) الهدف منها تحديد اتجاه العلاقة (من يفعل ماذا).
يستخدم هذا الاختبار للتأكد من أن العقوبات هي التي تسبب زيادة الوفيات، وليس العكس. فربما يدعي مؤيدو العقوبات أن ارتفاع الوفيات هو الذي يدفع المجتمع الدولي لفرض عقوبات على نظام فاشل! اختبار (جرانجر ) يحل هذه المعضلة بفحص المتغيرات عبر الزمن،إذا حدثت العقوبات أولاً ثم تلاها ارتفاع الوفيات بشكل يفوق التوقعات العادية، فإن ذلك يعزز الفرضية القائلة بأن العقوبات هي السبب.
باستخدام هاتين الأداتين معاً، استطاع الباحثون عزل تأثير العوامل الأخرى والجزم بأن العقوبات الأمريكية هي المتسبب المباشر في الارتفاع الملحوظ بمعدلات الوفيات، وعليه سنتناول النتائج الأساسية للدراسة:
أ-حجم الكارثة: العقوبات الأمريكية أحادية الجانب تتسبب في وفاة 564,258 إنساناً سنوياً على المستوى العالمي.
ب-الفئات الأكثر تضرراً: الأطفال دون الخامسة من العمر يشكلون النسبة الأكبر من الضحايا، حيث يتحملون أكثر من نصف عبء الوفيات المرتبطة بالعقوبات.
ج-آلية القتل: تؤدي العقوبات إلى انهيار الإيرادات العامة للدول المستهدفة، مما يقلل الإنفاق على الصحة ويعيق استيراد الأدوية والمواد الغذائية. كما أن "الخوف من الامتثال الزائد" من قبل البنوك والشركات الدولية (خوفاً من غرامات وزارة الخزانة الأمريكية) يؤدي إلى تعطيل حتى المعاملات الإنسانية المسموح بها.
د-النتيجة المفصلية: لم تجد الدراسة أي دليل إحصائي على أن عقوبات الأمم المتحدة تسبب وفيات، مما يؤكد أن المشكلة تكمن في الطبيعة أحادية الجانب والعقابية للعقوبات الأمريكية.
ثانياً: تحليل الآليات – لماذا العقوبات الأمريكية تحديداً.
تكمن خطورة العقوبات الأمريكية في هيمنة النظام المالي العالمي القائم على الدولار. هذه الهيمنة تمنح القرارات الأمريكية طابعاً "إقليمياً موسعاً" (Extraterritoriality)، بمعنى أن القانون الأمريكي يصبح نافذاً عالمياً. فحتى الشركات الأوروبية أو الآسيوية تتجنب التعامل مع الدول المفروض عليها عقوبات، ليس لأنها ملزمة بالقانون الأمريكي، بل خوفاً من قطع وصولها إلى النظام المالي الأمريكي الذي يهيمن على التجارة العالمية.
وللإشارة أن مفهوم "الإقليمية الموسعة" أو "الأثر الخارجي للقانون" (Extraterritoriality) هو جوهر القوة الاستثنائية للعقوبات الأمريكية، حيث أن مبدأ الإقليمية الموسعة (Extraterritoriality) هو أن القانون الأمريكي لا يطبق فقط داخل الحدود الجغرافية للولايات المتحدة، بل يمتد ليصبح نافذاً على شركات وأفراد لا يعيشون على الأراضي الأمريكية ولا يحملون جنسيتها.
حيث تعتمد آلية التطبيق في العقوبات على هذا المبدأ بسبب هيمنة الدولار، بما أن التجارة العالمية تتم بالدولار، فإن أي شركة في العالم (ألمانية،فرنسية،عربية ، يابانية، صينية) تريد تحويل أموال بالدولار، يجب أن تمر عبر النظام المالي الأمريكي. هذا يعطي وزارة الخزانة الأمريكية سلطة قانونية لمعاقبة أي شركة غير أمريكية تتعامل مع دولة محظورة، حتى لو كانت هذه الشركة تعمل بشكل قانوني في بلدها الأم.
بالطبع النتيجة هي تخوف البنوك الأوروبية من تحويل أموال إنسانية (لشراء غذاء أو دواء) إلى دول مثل إيران أو سوريا، ليس لأن القانون الأوروبي يمنع ذلك، بل خوفاً من أن تقوم واشنطن بقطع علاقتها بالدولار وفرض غرامات على هذه البنوك تصل إلى مليارات الدولارات.
هذا هو ما يسميه الباحثون "الخوف من الامتثال الزائد" (Over-compliance)، وهو ما يحول العقوبات إلى حصار شامل خانق، بالإضافة إلى ذلك، تشير (دراسة لانسيت) إلى أن العقوبات الأمريكية غالباً ما تُصمم بهدف "تغيير النظام" أو الضغط على الشعوب للانتفاض ضد النظام، وفي هذه الحالة، يصبح تدهور الظروف المعيشية جزءاً من استراتيجية العمل، وليس مجرد نتيجة ثانوية غير مقصودة.
ثالثاً: النقاش النقدي – الاعتراضات والردود
رغم قوة الدراسة المنشورة في مجلة لانسيت، أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية، يمكن تلخيصه في النقاط التالية:
-الاعتراض الأول (السببية العكسية):
يرى منتقدو الدراسة أن الدول التي تفرض عليها عقوبات غالباً ما تكون تحت حكم أنظمة مستبدة تفشل في إدارة مواردها، وبالتالي فإن الوفيات قد تكون ناجمة عن الفشل الداخلي وليس العقوبات الخارجية. فالنظام الفنزويلي مثلاً قد يكون السبب المباشر في انهيار نظامه الصحي قبل أن تلعب العقوبات دورها.
-الرد العلمي:
الباحثون في الدراسة توقعوا هذا النقد، ولذلك استخدموا أدوات إحصائية لعزل تأثير الحروب الأهلية، ومستوى الديمقراطية، والدخل القومي. وأكدوا أن تأثير العقوبات يبقى قائماً من الناحية الإحصائية حتى بعد إزالة هذه العوامل. كما أن ما يسمى "الاستثناءات الإنسانية" في القانون الأمريكي لا تعمل عملياً، لأن البنوك ترفض تحويل حتى الأموال المخصصة للغذاء والدواء خشية الملاحقة القانونية.
-الاعتراض الثاني (المسؤولية الأخلاقية):
يرى البعض أن مسؤولية حماية المواطن تقع على الحكومة المحلية أولاً، فإذا اختارت تلك الحكومة توجيه مواردها لتمويل الميليشيات على حساب شراء الدواء، فلا يمكن تحميل الدولار الأمريكي مسؤولية ذلك.
-الرد العلمي:
هذا صحيح جزئياً، لكن الدراسة تثبت أن العقوبات تشل قدرة أي حكومة على توفير الخدمات الأساسية، حتى لو كانت نواياها حسنة. فاستيراد الدواء يتطلب تحويل أموال عبر البنوك، والبنوك العالمية ترفض ذلك خوفاً من عقوبات "الخزانة الأمريكية".
رابعاً: الآثار الأخلاقية والقانونية.
من منظور القانون الدولي الإنساني، فإن فرض عقوبات تؤدي إلى حرمان المدنيين من مقومات الحياة (كالماء والغذاء والدواء) يمكن اعتباره شكلاً من أشكال "العقاب الجماعي" المحظور بموجب اتفاقيات جنيف الأربعة . الدراسة تؤكد أن التأثير الأكبر يقع على الفئات الأكثر ضعفاً (الرضع وكبار السن) وهم خارج نطاق الصراع السياسي تماماً.
كما اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة في تاريخ 16/يونيو/2025 بهذه المشكلة عندما خصصت يوماً دولياً لمكافحة "التدابير القسرية الانفرادية"، معتبرة إياها انتهاكاً للقانون الدولي. ومع ذلك، تظل هذه القرارات غير ملزمة طالما أن البنية المالية العالمية تخضع للهيمنة الأمريكية. اعتمدت الجمعية العامة قراراً (رقم A/79/L.93) بأغلبية 116 صوتاً مقابل 51 صوتاً (بينها الولايات المتحدة والدول الأوروبية) وامتناع 6 دول عن التصويت .
محتوى القرار تضمن تحديد يوم 4 ديسمبر (كانون الأول) من كل عام، يوماً دولياً لمكافحة التدابير القسرية الانفرادية، على أن يبدأ الاحتفال به اعتباراً من عام 2025 ، تقدمت فنزويلا لاصدار هذا القرار باسم "مجموعة أصدقاء الدفاع عن ميثاق الأمم المتحدة" المكونة من 16 دولة بهذا القرار .
يجدر الإشارة، أن الجمعية العامة "اعترفت بهذه المشكلة" عام 2025 صحيح، ولكن يجب التنبيه أن الأمم المتحدة كانت تصدر قرارات مماثلة منذ عقود (هناك أكثر من 100 قرار سابق بهذا الشأن) . الجديد هنا هو تخصيص يوم دولي محدد بهدف لفت الانتباه إلى هذه القضية.
هذه القرارات تظل غير ملزمة قانونياً (لأنها عبارة عن وصية صادرة عن الجمعية العامة وليس قرار ملزم صادر عن مجلس الأمن)، وتظل البنية المالية العالمية الخاضعة للهيمنة الأمريكية هي الفاعل الحقيقي على الأرض.
خامساً: الرأسمالية المتوحشة – قراءة أيديولوجية في نتائج دراسة لانسيت.
المصطلح الذي يتردد في الخطاب السياسي، "الرأسمالية المتوحشة"، قد يجد سنده الموضوعي في نتائج هذه الدراسة. فالرأسمالية الأمريكية، التي ترفع شعارات حرية التجارة وحقوق الإنسان، تمتلك ترسانة قانونية (مثل مكتب مراقبة الأصول الأجنبية) تمكّنها من شل اقتصاد دول بكاملها دون إطلاق رصاصة واحدة. عندما تموت طفلة في مستشفى في دولة كوبا أو اليمن أو العراق أو فنزويلا أو غيرهما بسبب نقص حليف أو حاضنات أكسجين طبية للأطفال، يتعذر شراؤها ليس لأن السوق لا ينتجها، بل لأن الشركة المصنعة تخشى غرامة أمريكية،إنها رأسمالية لا تكتفي باستغلال الإنسان في زمن السلم، بل تعاقبه بالموت البطيء إن خرج عن الطاعة.
ختاما، تمثل (دراسة لانسيت) نقلة نوعية في النقاش العلمي حول العقوبات. لقد انتقل النقاش من "فعالية" العقوبات في تحقيق أهدافها السياسية إلى مدى "شرعيتها الإنسانية". عندما تثبت أدوات الاقتصاد القياسي أن نصف مليون إنسان يموتون سنوياً بسبب إجراءات اقتصادية أحادية الجانب، فإن المجتمع الدولي مدعو إلى إعادة النظر في هذه الأداة المميته.
الاستنتاج الأهم الذي تقدمه الدراسة هو أن "الاعتدال" (Restraint) في استخدام العقوبات الأمريكية لم تعد ترفاً أخلاقياً، بل ضرورة إنسانية ملحة. وإلى أن يتم إصلاح النظام المالي العالمي ليجعل الدولار أداة تبادل لا أداة إعدام للشعوب، ستبقى هذه السياسات وصمة عار في جبين نظام دولي يدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان.
المراجع:
· Rodríguez, F., Rendón, S., & Weisbrot, M. (2025). Effects of international sanctions on age-specific mortality: a cross-national panel data analysis. The Lancet Global Health, 13(8).
· Mearsheimer, J. (2026). تصريحات صحفية حول التكلفة البشرية للعقوبات الأمريكية. مقابلات مع وسائل إعلام دولية.
· Weisbrot, M., & Sachs, J. (2025). Economic Sanctions as a Tool of Foreign Policy: The Humanitarian Cost. Center for Economic and Policy Research (CEPR).
· الجمعية العامة للأمم المتحدة. (2022). القرار المتعلق باليوم الدولي لمكافحة التدابير القسرية الانفرادية. وثائق الأمم المتحدة الرسمية.
· Gordon, J. (2024). The Sanctions Decade: Assessing UN and US Sanctions in the 21st Century. مطبوعات الأكاديمية الدبلوماسية.
