مصر وسيط السلام وسند الأشقاء

تابعنا على:   23:59 2026-04-08

محمد مصطفى أبو شامة

أمد/ لن يزيدنا كمصريين أن نؤكد على دورنا في خفض التصعيد في الشرق الأوسط ومشاركتنا بقدر مؤثر في وصول أمريكا وإيران إلى مائدة التفاوض في الليلة الأربعين للحرب التي كادت أن تتسع رقعتها وتنتقل نيرانها من ميادين القتال إلى أسواق الاقتصاد العالمي.
كما لن ينقصنا استمرار الانتقاص والامتعاض الخليجي أو العمى عن حجم المساندة الرسمية والشعبية التي قدمتها مصر ولا تزال، في السر والعلن، وبمختلف السبل المتاحة والممكنة للأشقاء العرب الذين تضرروا من جرَّاء الحرب وتداعياتها، مع تصديها لأي محاولة لتعكير صفو العلاقات المصرية العربية ومتانتها.
مصر أكبر من المزايدات، وأقوى في أثرها من كل الكلمات، منحها الله تميزاً في البشر، مثلما منح غيرها من فضله ما شاء، وتمثل الإبداع الرباني في كفاءات وطنية حفظت لمصر استقرارها وأمنها، ومكنتها من أن تكون «نهر العطاء»، وقبلة الطمأنينة لكل أبناء الشعب العربي، الذين تزدحم بهم شوارع المحروسة. تمنح المحبة للقادمين من مختلف الأقطار؛ الفارين من الثورات، وضحايا سلاح الميليشيات، ومن أفزعتهم المسيّرات.
وإذا سألك أحدهم متبرماً: «أين مصر؟»، دعه يبحث في أعماق ذاته، سيجده مصرياً. فمصر تجري في دماء كل عربي، تهيمن على القلوب، وتستقر كفكرة ملهمة في العقول، قدرها تحمل أعباء دور «الأخ الأكبر»، وحماقات بعض الصغار.
مصر يا عزيزي لم تسعَ إلى الوساطة لأن الحرب زلزلت اقتصادها، بل تحركت بدافع المسئولية لإغاثة أشقائها ونصرة السلام والاستقرار في السعودية والإمارات والكويت والعراق ولبنان والبحرين والأردن وقطر وسلطنة عمان واليمن وسوريا، وكل بلد عربي تهددت سلامة شعبه من الانفلات الإيراني والحماقة الصهيوأمريكية.
ولم يكن تحرك مصر في هذه اللحظة الفارقة مجرد موقف عاطفي أو رد فعل آنٍ، بل جاء امتداداً لدور تاريخي تتقنه «القاهرة» حين تضيق السبل وتتعطل لغة السلاح، وتصبح الدبلوماسية هي الملاذ الأخير لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أمن المنطقة واستقرارها.
فلقد شهدت الأيام الأخيرة اتصالات مكثفة وتحركات دبلوماسية متواصلة شاركت فيها مصر، مع عدد من القوى الإقليمية والدولية، في محاولة لفتح نافذة للحوار بين الأطراف المتصارعة، ومنع انزلاق المنطقة إلى هاوية حرب شاملة كانت كفيلة بإشعال أسواق الطاقة، وتعطيل حركة التجارة العالمية، وتهديد الأمن الغذائي لملايين البشر.
وتلاقت مواقف دولية عدة على الإشادة بدور الجهود المصرية التي أسهمت في الوصول إلى وقف إطلاق النار، باعتبارها خطوة ضرورية لعودة الأطراف إلى طاولة المفاوضات، وفتح المجال أمام الدبلوماسية لتفادي كارثة إنسانية واقتصادية كانت تلوح في الأفق.
وجاء الموقف المصري واضحاً في ترحيب الرئيس السيسي بإعلان وقف إطلاق النار، والتأكيد على أن هذا التطور يمثل بارقة أمل لملايين البشر، مع التشديد على ضرورة تحويل الهدنة المؤقتة إلى اتفاق دائم يحقق الأمن والاستقرار ويستجيب لتطلعات شعوب المنطقة في التنمية والازدهار.
كما أكدت القيادة المصرية دعمها الكامل لأمن دول الخليج والأردن والعراق، وضرورة أن تراعي أي تسوية قادمة الشواغل الأمنية المشروعة لهذه الدول، باعتبار أن أمنها جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن العربي.
وهنا تتجلى الحقيقة التي قد يغفل عنها البعض أو يتغافل عنها عمداً: أن مصر لا تتحرك بحثاً عن مجد، ولا تسعى لقطف ثمار سياسية، بل تتحرك لأنها تدرك أن انهيار الاستقرار في محيط الخليج العربي خطر مباشر على الأمن العربي بأكمله.
ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى كل من يتساءل: «أين مصر؟» أن مصر كانت، وما زالت، في قلب المشهد، تحذر من التصعيد حين يعلو صوت المدافع، وتدعو إلى الحوار حين تتعثر القنوات، وتقف سنداً لأشقائها حين تتعاظم الأخطار.
فمصر ليست مجرد دولة في خريطة الشرق الأوسط، بل هي ميزان توازن، وصمام أمان، وذاكرة سياسية تعرف جيداً كيف تبدأ الحروب.. وكيف يمكن أن تنتهي.
وإذا كان وقف إطلاق النار قد فتح نافذة أمل، فإن الرهان الحقيقي لا يزال قائماً على القدرة على تحويل هذه اللحظة إلى سلام مستدام، وهو تحدٍّ لا يخص دولة بعينها بقدر ما يتعلق بإرادة جماعية تدرك أن البديل عن السلام ليس سوى الفوضى.
وفي لحظات التحولات الكبرى، لا تُقاس الدول بحجم الضجيج الذي تثيره، بل بقدرتها على صناعة الفارق حين يشتد الخطر.
ومصر، التي خبرت الحروب وصنعت السلام أكثر من مرة، تدرك أن مسئوليتها لا تنتهي عند حدودها، بل تمتد حيث يكون أمن العرب مهدداً واستقرارهم موضع اختبار. لذلك ستبقى «القاهرة»، كما كانت دائماً، عاصمة السلام حين تتعقد الأزمات، وسنداً صلباً لأشقائها حين تضيق الخيارات، وحائط صدٍ عربي يحفظ للمنطقة توازنها ويمنحها فرصة جديدة للحياة.

اخر الأخبار