عاصفة "الشرشحة السياسية" في "بقايا فلسطين"!
كتب حسن عصفور/ لم تخل يوما الساحة الفلسطينية من اختلافات أو خلافات تصل حد "التخوين السياسي" والوطني أحيانا، بل وتخرج الخلافات عن المنطق المقرر في أصول حل الإختلافات، وتتداخل بها الشخصي مع العام، دون أن يكون بينها فواصل أو نقاط في غالبية الأحيان، محطات لم تغب يوما عن المشهد الفلسطيني، بعضها يمكن اعتباره جزءا من الحقيقة السياسية، وآخر يكون خارج النص المعقول..لكنها حدثت وتحدث وستحدث..
أما ما كان خلال الساعات الـ48 – 72 ساعة الأخيرة، فقد خرجت عن كل "معقول" أو حتى "غير المعقول"، وصلت الى أسفل درجات "الإنحطاط السياسي"، واستغباء جنوني لشعب تحدث عنه العالم يوما بكفاحه وجبروته، وأنتج من المثال أدت بشخصية مصابة بعظمة الجنون الى ما وراء الطبيعة "الفاشي الكبير" هتلر أن يتحدث عنه..
رئيس حركة "حماس" خالد مشعل تحدث من عاصمة قطر، مغذية روح الانقسام وإدامته، بمناسبة اجتماعية لأحد أبناء القسام، وكان للمحادثة أن تكون "علامة إنسانية" جميلة، تشيع الفرح لإسرة انجبت شهداء للوطن والقضية، لكن مشعل أصر ان يحيل الفرحة الانسانية الى "شعلة كذب ونفاق" بل وفتح مجالا لاستمرار الخوف السياسي الذي ينتشر كالنار في الهشيم، بأن هناك من يسارع الخطى لـ"خطف غزة" نحو الفصل السريع الى حين أن يتمكن وجماعته من غيرها!..
مشعل وبلا أن يتلعثم اعلن ان "غزة - يقصد قطاع غزة" تحررت وكان هو محررها وقواته، وأقسم أنه سيواصل ذات الطريق لتحرير الضفة، دون أن يحدد لا زمن ولا شكل التحرير اياه، ولنقفز عن رغبته في تحرير الضفة، وليته يفعل حقا تحريرا وليس شهبة تحرير كما هو حال غزة، وله مني وكل وطني فلسطيني ساعتها الولاء والطاعة والبيعة بكل أركانها، على طريقة بيعته للمرشد اياه..
فضيحة خالد مشعل السياسية مركبة الأركان، فهو تحدث أنه وقواته من "حرر" غزة، ولو وضعنا العقل جانبا، وصدقنا تلك "الخرافة المشعلية" بالتحرير، فبالتأكيد لم يكن هو صاحبها ولا قائدا لها، بل ولم يكن جزءا فاعلا خلال تلك الفترة الزمنية ليفرض "معادلة التحرير"، عندما أعلن الارهابي ارئيل شارون عن خطته الانسحاب من قطاع غزة، او بالأدق "الخروج" منه، وكان ذلك في عام 2004 وخلال زمن الخالد ياسر عرفات، وفي عهد المواجهة الكبرى التي انطلقت بعد قمة كمب ديفيد، في 28 سبتمبر - ايلول 2000، كان لحركة فتح الريادة المطلقة بها، شعبيا وعسكريا، وأن حماس لحقت بها بعد عامين ونيف، وذهبت للعمل بالطريقة الخاصة، عمليات تفجير داخل مطاعم ومقاهي أدت واحدة منها بحصار ياسر عرفات واعادة احتلال الضفة وتدمير مؤسسات السلطة تدميراً انتقاميا لم يحدث في أي حرب لاحقة..
لا يهم تفاصيل ما حدث، لكن قرار شارون بالخروج من قطاع غزة جاء والخالد ابو عمار كان حاضرا زعيما للشعب، وقائدا للكفاح الوطني، قبل أن يتم تصفيته اسرائيليا وبموافقة أميركية وبعض من سيكشف التاريخ يوما عنهم..ومشعل لم يكن حاضرا حين ذاك بذات الزخم الذي يتحدث عنه أبدا، كان في دمشق له حسابات خاصة يعلمها هو جيدا وكذا الرئيس بشار الأسد والأمن السوري..
كان من الممكن عدم الاهتمام بتلك "التفصيلة" لو تواضع مشعل قليلا قبل أن يتفاخر بالتحرير دون ان يذكر من كان قائدا وزعيما للمواجهة، حينها ياسر عرفات، ودفع ثمنها حياته الشخصية، أما تلك النزعة المتغطرسة فلا وصف لها سوى ادعاء كاذب وقميء ايضا..
أما الفضيحة الأكير لمقولة مشعل بالتحرير، فيبدو أنه لا يعرف الفرق بين خروج عسكري مباشر من شوارع غزة والاحتلال ذاته، ولو عاد بالذاكرة وقرأ فقط اتفاقه العار مع اسرائيل عام 2012 بواسطة حكم المرشد الذي اسقطته الارادة المصرية، لإكتشف أن الاحتلال قائم وشريك في مسار قطاع غزة..المنطقة الأمنية العازلة من 500 الى 1000 م بطول حدود خط التماس من شمال القطاع حتى جنوبه.. منطقة الصيد البحري، والتي كانت في اتفاق اوسلو 20 ميلا بحريا قلصها مشعل الى 6، لا يستطيع الآن حتى أن يصل اليها لأن البحرية الاحتلالية تمنعه..بلا اسهاب الآن في أن الاحتلال لا زال حاضرا في قطاع غزة، ليس حصارا فقط واغلاقا فقط بل قانونا وسياسة..
هل يمكن ان يدلنا مشعل ورفاقه ما هي "حدود قطاع غزة" الآن بعد أن "حررها..وهل سماء القطاع فعلا حرة مستقلة..وهل يمكنه أن يطير بطائرة ورقية بشكل رسمي على الحدود أو في عمق "المياه الإقليمية" المفترض قانونا أنها تتجاوز 30 ميل بحري، بل هل يجرؤ مشعل وفريقه أن يذهب ليزور مكان التنقيب عن الغاز في بحر غزة..كلام مشعل يؤدي بقصد ابو بجهل الى اعفاء اسرائيل من مسؤوليتها كدولة احتلال وترديد بنغمة اخرى لما تقوله دولة الكيان هي "رسميا"!
يا استاذ خالد كلامك نطق لما يحدث بالعاصمة القطرية واتصالات مع تل ابيب لرسم "غزة الكيان الخاص"..ليتك تتراجع وتملك شجاعة الاعتذار عما فعلت ونطقت "كفرا سياسيا" بوطن وقضية ومشروع..
ولم تمض ساعات على "الاكتشاف المشعلي لتحرير غزة ووعده بتحرير الضفة"، حتى خرج علينا قاضي قضاة فلسطين محمود الهباش، ليطالب بكفر لا بعده كفر، أن تأت قوات عربية لـ"تحرير غزة" من قبضة حماس..هكذا بكل استلطاف، وإعتقدنا أن الرجل أخذته الحمية والانفعال، فطالبنا رأس الشرعية الفلسطينية المقضومة حصتها في غزة، بحسابه واقالته احتراما لفلسطين، ولكن كانت المفاجأة بأنه يطالب ذات الطلب، وظننا أنه حديث ملفق رغم نشره بصحيفة موالية بالكامل له..
وانتظرنا خطاب الرئيس في القمة عله يعيد تصويب بعضا من المصائب التي كانت، وللحق كان لخطاب الرئيس محمود عباس في القمة العربية 26 بشرم الشيخ، ان يكون "وثيقة وطنية" باميتاز، لو أنه اقتصر على الشأن الخاص بالمواجهة مع دولة الكيان، ولم ينجرف لفضيحة سياسية أطاحت بما كان من أفضل خطابات الرئيس، فخرج عن " النص الوطني"، مستجديا أن تأت قوة لانهاء الانقسام في غزة، وجمعه بين اسرائيل وحماس بذات المعيار في تعطيل الاعمار، وكأنه يريد رد التهمة القطرية عنه بخيبة أكبر منها..حتى لو كانت هناك ملاحظات ونقد كبير على سلوك حماس كان له أن لا يكون في خطاب القمة بل ضمن الشأن الوطني الداخلي..
خطاب حمل عبارات تفجير سياسي بعد تصريحات كارثية وكأنه يعلن رسميا أن قطاع غزة بات خارج النطاق الوطني، بل وهو تشجيع موضوعي لكل " نزعات الانفصال المتنامية" الآن داخل القطاع بوعي بعضهم، وآخرون بخيبة أمل من حصار بات مقرفا ومقيتا وظالما لا بعده ظلم..
تصريحات الرئيس ومستشاره كانت اضافة بنزين على نار البحث عن قيامة "كيان خاص" بغزة، رغم الكلام اللفظي برفضها..
ما حدث باختصار ليس سوى "عاصفة من الشرشحة السياسية" غير المسبوقة في فلسطين، ولا يجب أن تمر مرور الكرام من القوى والفصائل والمؤسسات والشخصيات العامة، أو تقتصر على بيان باتجاه واحد..
إنها "إنذار سياسي" يجب أن تحيي الموات العام، ولتنتفض القوى الحية كي لا تصبح قضية الوطن في خبر.. كانت فلسطين!
ملاحظة: انقلاب حماس اللغوي بتأييدها للشرعية اليمينة، وعمليا تأييدها لعاصفة الحزم على خجل من ايران، اثار بعض أجواء النكتة بأنه رد "عاصف" على دعوة عباس - الهباش العصف بها ..يعني لحقت حالها !
تنويه خاص: الذ رفض للقوة العربية المقترحة جاء من وزير خارجية العراق الذي افتخر بأنه شيعي، معاه حق، مش قصة..رفض تدخل القوة العربية حتى لو كانت في فلسطين..يا راجل أمريكا وقواتها هي اللي جابتك للحكم، ولا زالت في بلدك قوة حاضرة بأقوى من جيشكم..مش حلوة منك يا "مفتخر"!
