من "حريم السلطان" ..الى "رجاله"!
كتب حسن عصفور/ لم يعد هناك حواجز رادعة للرئيس التركي رجب طيب اردوغان من أجل تحقيق حلمه الخاص، لبصم عهده على الطريقة السلطانية، بعد أن تمكن من الحصول على "شبكة أمان اميركية" لأي من سياساته الداخلية الخاصة، وبالطبع الخاريجة، ما دامت تخدم مشروعها الاستراتيجي في المنطقة، ويعمل على اتساع حربه الكارهة لمصر بعد اسقاطها "حكم المرشد"، مقابل فتح أوسع حركة اقتصادية مع اسرائيل، دون اعلانات رسمية مترافقة مع "زعيق ثوري" يملئ به وسائل اعلامه الخاصة واعلام الإخوان لتغطية الصفقات الفعلية مع دولة الكيان التي تضاعفت جدا عما كانت قبله، واخرها فتح ابوب ميناء حيف لمرور بضائع تركيا..
ولأن السنوات تمضي بسرعة، فالرئيس التركي ذهب أيضا سريعا لتكريس "سلطنته" عبر اجراءات تمس بشكل جوهري بالبعد الديمقراطي للنظام، من خلال توقيعه على قانون للأمن، وصفته المعارضة السياسية بأنه "قانون ارهابي" بالمعني السياسي، بل أن بعض من اوروبا وجه سهام النقد المباشر للقانون، فيما تغض أمريكا الطرف كليا عن أي ممارسة لا ديمقراطية أو قمع وارهاب فكري تمارس من قبل "حكم رجب" ضد معارضيه، ولم يكن حجب وسائل التواصل الاجتماعي مؤخرا لفترة زمنية، سوى رسالة جس نبض لتطبيق قانون الأمن الجديد، وقياس رد فعل الغرب منه..
ولأن "السلطنة" تتطلب ممارسات غير التي يشهدها العصر الراهن، فقد لجأ لتغيير مفهوم نظام الحكم التركي، لإقرار نظام جديد يعرف باسم "النظام الرئاسي" الخاص به، ويستذكر الانسان ما كان يوما للعقيد القذافي من "إبتكار نظام حكم اسماه الجماهيرية"، عندما يقرأ اقوال أردوغان بان الرئيس الايراني روحاني اهتم كثيرا بـ"النظام الرئاسي" الجديد لتركيا، وفقا لما قاله رجب طيب شخصيا..
مجلة "إيكونومست" في مقال لها في عددها الأخير تطرقت الى الحظر الذي فرضته الحكومة التركية بداية الأسبوع الماضي على مواقع التواصل الاجتماعي، وكتبت أن "مثل هذه المحظورات باتت شيئا روتينيًّا في سلطة أردوغان والحكومة التركية، وأن هاجس أردوغان بالنظام الرئاسي تسبب في حالة من القلق داخل البلاد".
وأعات المجلة إلى الأذهان قول أردوغان: “إن وسائل التواصل الاجتماعي مصيبة وبلاء على رأس المجتمعات”، وأضافت قائلة "إن الرئيس " الإسلامي" أردوغان يدّعي أنه يتم التلاعب به من قبل تنظيم دولي يتسهدفه وحكومة العدالة والتنمية".
وأشارت المجلة إلى رأيٍ قدمه دبلوماسي أجنبي يعيش في أنقرة، لم يرغب في الإفصاح عن اسمه، إذ يقول "إن أردوغان يختلق أعداء وهميين من أجل خلق أزمات مصطنعة وشرعنة القمع الذي يمارسه تجاه فئة ما".
وهو ما حدث فيما اسماه بقضايا الانقلاب ضد حكومة العدالة والتنمية ، والتي عرفت تارة بـ"الارجينكون" ، وتارة ثانية بـ"المطرقة" وفي مرحلة لاحقة الحقت بهما قضية الانترنت.
وجرت تحقيقات تجاوزت أوراقها المائة ألف وروقة، وعقدت محاكمات كانت عنوانا عريضا ليس فقط في وسائل الإعلام المحلية ، بل الميديا الدولية ، وبعد مارثون طويل والاستماع إلى شهود لم تؤخذ شهادات معظمهم ، انتهت إلى اصدار احكام مدى الحياة ضد العشرات من العسكريين الذين ادينوا بالتخطيط للاطاحة بحكومة رجب طيب اردوغان، وطبيعيا اثارت ردود فعل داخلية وخارجية معظمها أن لم يكن كلها اتسمت بالغضب وخرجت عشرات التقارير المنددة بها .
انتهت بحبس جنرالات وكتاب ومثقفين إحيتياطيا لسنوات بشكل غير دستوري ، ثم بدأت تتكشف شيئا فشيئا حقائق ما وصف بالمؤامرة ، ويوم الرابع والعشرين من مارس الماضي ، كانت المفاجاة المدوية والتي اعلنها من روج في البداية للمخطط الشيطاني، إذ اعترف اردوغان بأن عمليات الإنقلاب ضد حكومته لم تكن حقيقية، وقال " لقد تم خداع الدولة بجميعأجهزتها وتم توجيهها خطأ في هذا الصدد وانه هو شخصيا أول المخدوعين" مشددا " لقد خدعونا..
كان ينبغي ألا يكون معظم الضباط في السجون" وكان طبيعيا أن تنتفض المعارضة وفي القلب منها حزب الشعب الجمهوري بزعامة كمال كيلتش دار أوغلو الذي تحدث،" لقد قلنا في السابق إن هذه القضايا ليست صحيحة، إلا أن أردوغان قال عنا حينها " يا حزب الشعب الجمهوري، أنت حزب انقلابي وتدعم الانقلابيين"..
وفي عبارات شديدة القسوة والدلالة وجه الزعيم المعارض سيل من الانتقادات اللاذعة والساخرة لاردوغان متسائلا : ماذا يعني " لقد خدعوني" هل أنت طفل؟ ألا يوجد لك عقل تفكر به؟ ألا توجد لديك سلطة إدارة الدولة؟ ألا يوجد لديك جهاز مخابرات؟ ألا يوجد لديك جهاز شرطة؟".
وانتقل السجال الى داخل الحزب الحكم حزب الرئيس، في سابقة خطيرة ، عندما تجاوز نائب رئيس الوزراء بولنت ارينتش تجاوز الخطوط الحمر عندما انتقد قائد البلاد في وقت سابق من الاسبوع قبل الماضي، فجاء رد سريع له من احد انصار اردوغان،، وفي وصلة نفاقية بإمتياز، كما وصفتها وسائل اعلام تركية، أنبرى مليح جوكتشيك عمدة أنقرة، منددا بالخروج على الزعيم ، مطالبا بإقالة "هذا الذي تجرأ ونقد الزعيم من منصبه فورا" – يشير الى نائب رئيس الوزراء.
الرد جاء سريعا وحادا من أرينتش، وهو في الاصل حقوقي وسياسي مخضرم، بوصفه جوكتشيك بـ "عامل مأجور يعمل لصالح غيره ويهدف بكلامه ضدي إلى أن يتقرب إلى مكان ما ، ومن أجل أن يصبح ابنه نائبًا في البرلمان"، في تلميح غير مباشر لساكن "القصر الابيض" اردوغان.
الصحفي عبد القادر سيلوي الكاتب بصحيفة " يني شفق”، والمعروف بتأييده المفرط للرئيس التركي، علق على هذه الأحداث وحرب التصريحات بين آرينتش وجوكتشك، مشددا على أن ناقوس الخطر بدأ يدق وحزب العدالة والتنمية ينجر إلى مصير مجهول.
وفي مشهد سياسي آخر لما يحدث في "زمن اردوغان"، اشارت الصحف التركية الى قائمة حزب الرئيس الانتخابية ضمت بين صفوفها شخصيات لا رصيد لها، سوى قربها من أردوغان، مثل برات البيرق، زوج ابنته (صهره) المسؤول عن إمبراطورية إعلامية واقتصادية موالية للرئيس، وكذلك علي أونال المسؤول عن كتابة خطابات أردوغان، وكذلك مستشاره السابق أرتان أيضن، إضافة إلى مجاهد أرصلان رفيق طفولة أردوغان وكاتم أسراره. كما تضمنت لائحة المرشحين محاميين ترافعا عن أردوغان سابقاً وهما على أوزكايا وفائق إيشيق، وأيضاً جميع الوزراء الحاليين المقربين من أردوغان، وفي مقدمتهم، نائب رئيس الحكومة يالطشن أكضوغان ووزير الداخلية أفكان آلا.
المفاجأة الكبرى لـ"قائمة السلطان"، انها تجاوزت تلك الشخصيات، لتشمل سائقه أحمد حمدي شانلي، ومطربه المفضل أوغور إيشيلاك الذي ألف وغنى أغنية الدعاية الانتخابية في سباق الرئاسة الأخير وتسبب بفضيحة، بعد الكشف عن أن لحنها «مقتبس» من أغنية أوزبكية معروفة.
تلك بعض من ملامح "العهد الأردوغاني"، محاولا اعادة بعضا من ملامح التاريخ العثماني، لكنها بشكل مهزلة واستبدال "حريم السلطان" بـ"رجاله"، دون امبراطورية..
اردوغان وحلفه الأميركي يتجاهل كل تلك الملامح الديكتاتورية وفساد "القصر الأبيض" ليتفرغ لحرب عداء سياسية متواصلة ضد ثورة مصر والتي يراها أردوغان أنه العقبة التي اغلقت طريق العودة لـ"سلطنة" بنى لها "القصر الأبيض" استعداد لانطلاقها فكانت الصدمة التي لم يتوقعها..
بعض من مظاهر السياسة الداخلية لحاكم مدع، دون التطرق لعلاقاته الاقتصادية المتطورة جدا والمتنامية مع دولة الكيان الاسرائيلي، التي تضاعفت وتوطدت في السنوات الأخيرة، عل البعض يدرك أن التلاعب المصالح الاقليمية لا يأت عبر نشر الأكاذيب واستخدام الشعارات لتمرير مشاريع لا زالت ترمي لكسر ظهر المنطقة العربية ورميها تحت "اقدام الغزاة" كل بإسمه، وربما مراقبة مواقفه السياسية الأخيرة فقط منذ "عاصفة الحزم" و"المشروع النووي" الايراني كافيا لاكتشاف مسار حاكم مدع..
رحم الله الخالد ياسر عرفات لحساسيته المفرطة عندما سماع بعض أقوال ساسة أتراك بالتذكير أنه تركيا لا زالت مليئة بـ"يهود الدونمة"!
ملاحظة: حضور ذكرى اسشتهاد القائد الخاص عطاءا وعملا ابو جهاد تشكل لشعب فلسطين حافزا قويا لاستنباط روح الثورة والمقاومة..تلك هي خير احياء لذكرى قائد تمثل عملية اغتياله بذاتها قيمته التي يعلمها العدو جيدا!
تنويه خاص: السجال بين فصيليين فلسطينيين حول ما يجري باليرموك كشف بعضا من قصور "آلية حل الخلاف"..استجيبوا لدعوة رأس الشرعية البرلماني ابو الأديب كي نوقف تهدور "بقايا موقف"!
