سؤال شائك ..من "وحي رحيل الخال"!

تابعنا على:   07:54 2015-04-23

كتب حسن عصفور/ ودعت مصر شعبا ومؤسسات ودولة، وشعوب عالمنا العربي، وكثير من احرار كوكبنا الشاعر الكبير عبد الرحمن الابنودي" الخال"، وداعا يليق بما يستحقه انسانا وقيمة وشاعرا، كإبن بلد وصعيديا أخلاقا وقيما، ودعه كل عربي ادرك قيمة ما زرع الابنودي كلمات لن يستطيع "الجلاد" اي كان اسمه أن يقطع رأسها، ستعيش ما دام هناك كون تنتج ذاتها بذاتها قيمة سياسية وإنسانية، تفتح بابا لمن يبحث النور بعيدا عن طرق الظلام..

قد يكون "وداع جثمان" الأبنودي نال ما لم ينله غيره من كتاب مصر ومثقفيها، وداع كان مزيحا لحب غريب بين شعب مصر ودولته بل واعلامه الرسمي والخاص، وداع يليق به وبكل من التصق بشعبه، هموما وقضايا مدافعا دون أن يحسب ما سيدخل جيبه أموالا، أو "مقدار" رضا السلطان عما يكتب أو يقول، كلمات قد يراها الإنسان غاية في البساطة، لكنها في غاية الصدق والتركيز تعكس كل ما يجب أن يكون حاضرا في مساحة الحضور العام..

الاحتفاء حق لشاعر وانسان، كما الأبنودي، وهو حق لكل من التصق بشعبه، كما عشرات بل ومئات من مثقفين في عالمنا العربي، وفي فلسطين، لكن المفارقة العجيبة التي كشفها "الوداع"، أن الحب الجارف للأبنودي لم يكن بسبب مكانته الإقتصادية، ولا لموقع سياسي مرموق أو أنه ابن عائلة ثرية جدا، احسنت تحريك أدوات الاحتفاء، لكن السبب، ولا غيره، كان بما قال وكتب كلاما هو تعبير حقيقي عن كل ما يعكس هموم وآلام وطموح الانسان قبل عموم الشعب، كلام انعكاس لثقافة الانتماء التي اعتنقها الشاعر الراحل، كما عشرات ومئات من أمثاله في بلدنا فلسطين ومصر وعموم عالمنا العربي، بل والانساني، ثقافة "اليسار الفكري - الثقافي"..

ولو راجع البعض أهم اسماء عموم مثقفي الأمة من محيطها الى خليجها مرورا بقلبها مصر وروحها فلسطين سيكتشف أن غالبية مطلقة من تلك الأسماء هم من أبناء الفكر اليساري، وهم أكثر من التصق بهم شعوب المنطقة، يرددون ويحفظون ويعشقون ما كتبوا شعرا وأغنية ورواية وقصة،  رسما أو اي من اشكال الفن والابداع..

معادلة تحتاج لأن تكون سؤالا ليس للشعب المتعلق بثقافة اليسار فكرا وأدبا، بل لقوى اليسار التنظيمية، هي تلك المفارقة بين حب يصل الى درجة العشق بين نصوص أدب اليسار عامة، والغربة التي تصل الى درجة الفقر المدقع في علاقة الناس شعوبا وقبائل بقوى اليسار تنظيميا، بل أن كثير من عاشقي مثقفي وأدباء وشعراء وفنانيين يسارين يكنون عداء وكراهية لقوى الشعراء التنظيمية..

في المنطقة العربية، وفي فلسطين نموذجا، انجبت ابوسلمى وعبد الرحيم محمود وتوفيق زياد ومحمود درويش وسميح القاسم واميل حبيبي، ومعين بسيسو ومحمود شقير ويحيى يخلف ومئات لا يتسع المكان لهم، وغالبيتهم المطلقة من منتسبي فكر اليسار الماركسي -الاشتراكي، كما في مصر لمن النادر أن تجد اسما لامعا ليس به تلك العلامة، حضورهم طاغ الى درجة أن ما لهم من انتاج وابداع ملك للشعب عامة وللفقراء خاصة، يرونه سبيلا للبحث عما يطمحون..

حالة عشق فريدة بين كتاب اليسار و"غربة نادرة" من ذات العاشقين عن "قوى اليسار"، التي أنجبت فكر وأدب ونصوص وإبداع ذلك الانسان..سؤال هو الأكثر تعقيدا في زمننا الراهن، وللمفارقة الكبرى، ان حضور قوى اليسار في الزمن الماضي، عصر الارهاب الأسود كان أكثر قوة وتأثيرا مما هو عليه اليوم..

زمن كان الانتماء لليسار وبالتحديد للفكر الماركسي الاشتراكي يقابله سجن وتعذيب وموت وتشريد وطرد من عمل وتكفير وملاحقة ليل نهار، انتماء لفكر يبحث مستقبل لـ"وطن حر وشعب سعيد"، كما لخص شعارا للحزب الشيوعي العراقي بعبقرية أهداف قوى اليسار..

احزابا وقوى تطارد الفئوية والطائفية، أعداؤهم واضحين ومحددين وهم ذاتهم أعداء الأمة والشعب، فكان ابداع الكتاب والشعراء والمثقفين والإغنية، انعكاس لها، فالتصقت بهم وكانت التعبير الأقرب لما يبحثون، حتى بعض من الفئات الطبقية العليا التي لم تجد في الفكر الماركسي نموذجها في التعبير الطبقي، انحازت له ولثقافته ببعد الانسان قبل بعد الثراء والربح..أغنياء انحازوا لمعركة "الوطن الحر" قبل "المال الحر"..

اليوم، بات الحديث عن اليسار وبالأخص الماركسي منه، والاشتراكي في جانب آخر، وكأنه تهمة ووصمة عيب، رغم الانفتاح الإعلامي والتطور التقني ، بل وهناك شرعية لكثير من قواه تعمل بلا مطاردة أو اعتقال أو طرد من عمل ومدرسة وجامعة، دون خوف من تشريد اسرة وأطفال بعد مصير اسود لمعيلها في سجن ظلامي، او معركة ضد غازي ومحتل..

مسألة تستحق أن تكون محور نقاش جاد وعميق بعيدا عن "الطهرانية الكاذبة" التي حاولت قيادات تسلقت في ظروف خاصة لقيادة اليسار، مراجعة لتلك الفجوة بين عشق الشعب لثقافة اليسار وغربته عن قواه، دون الاكتفاء بترداد كلاما زائفا عن المطاردة والتشهير، او إكذوبة ما حدث للإتحاد السوفياتي، فما كان في اميركا اللاتنية بالبرازيل وكوبا وفنزويلا وغيرها، نموذجا لأن الفكرة أقوى، بل أن دول اوربية اعيد انتعاش فكر اليسار بقوى جديدة، دون التصاق بشيخوخة الانتماء، اليونان واسبانيا مؤشرا..

هل يفكرن أحد من قوى اليسار بدعوة "اليسار العربي" لمراجعة حقيقية دون الهروب من الاعتراف بكل الخطايا السياسية والتنظيمية، بل والممارسات التي باتت تشكل "عارا" في بعضها على مسار هو الأنصع سياسيا..!

ملاحظة: مبروك لحماس ربحها الانتخابي المفاجئ في انتخابات طلبة بيرزيت..مفاجئ نعم لكون حماس لم تقدم سلوكا لتكون نموذجا يحتذى.. لكن التصويت كما انتخابات 2006 تصويت انتقامي من فتح..الدرس لفتح قبل غرور حماس..التحدي ان تجري حماس انتخابات مهنية في قطاع غزة!

تنويه خاص: نعم اسرائيل تريد اقامة "دولة غزة"، وبعض حماس لن يرفضها، لكن ما تتجاهله قيادة فتح وغيرها ان الاحتلال بدأ في تنفيذ اقامة "كانتونات" بالضفة قبل "دولة غزة"..اصحوا يا سادة..قبل ان تصبح الضفة كلها بير زيت!

اخر الأخبار