إغلاق "مكتب صحيفة" قرار خاطئ سياسيا وديمقراطيا!
كتب حسن عصفور/ بداية أعترف، أنني لست من متابعي صحيفة "العربي الجديد" التي تصدر عن احد شركات الاخوان ويشرف عليها عزمي بشارة، وبدأت وظيفتها الإعلامية لخدمة الجماعة الإخوانية بعد ثورة 30 يونيو في مصر، وأن الناظم الاساسي لمنهجها الاعلامي هو معاداة صريحة جدا لمصر الدولة والكيان، وتلهث حول أي مادة تسيئ لها، وأن منهجها الاعلامي يأتي في سياق خدمة "المنظومة القطرية العامة" في المنطقة..
وتلك الصحيفة لها مقر في الضفة الغربية، يعمل منذ اشهر طويلة تحت سمع وبصر الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وبالتأكيد بعلم وزارة الاعلام، ووفق مديرة مكتب الصحيفة في رام اللة، نائلة خليل فأنهم تقدموا بأوراق ترخيص منذ ما يقارب العام، وينتظرون الموافقة والسماح..
و دون أن يطلب منهم "شرطا" بأن لا تعمل الصحيفة بشكل رسمي، قبل الحصول على الموافقة، والمفترض أنها لا تستغرق وقتا طويلا، ولكن ما حدث يوم 4 نوفمبر 2015 من إصدار قرار من النائب العام باغلاق المقر وايقاف الصحيفة عن العمل، وذلك على ضوء مراسلة من وزارة الاعلام للنائب العام، تطلب فيها من النائب العام إغلاق مكتب الصحيفة بشكل كامل ونهائي "باعتباره مكتبا إعلاميا غير مرخص للجريدة التي تصدر في لندن". حسب ما نشرت قناة "الجزيرة" القطرية..
وجاء في الرسالة أيضا، أن الصحيفة "قامت مؤخرا بنشر تقرير مسيء لدولة فلسطين وأجهزتها الأمنية"، وأضافت الرسالة أن تقرير الصحيفة "يصور أجهزتنا الأمنية وكأنه لا هم لها سوى الاعتقالات والتنسيق الأمني مع دولة الاحتلال"..
وبعيدا عن أي سبب كان، فما حدث كان قرارا سياسيا وأمنيا خاطئا، ويمثل "عورة" في بناء مؤسسة وطنية فلسطينية، ليس فقط بالبعد الديمقراطي، فتلك مسالة تحتاج زمنا وكفاحا من طراز خاص، ولكن في الجانب المهني لممارسة العمل الاعلامي والصحفي..
كان الأولى بأجهزة السلطة بشقيها الأمني والسياسي ان تشترط على الصحيفة، او أي مؤسسة اعلامية تبحث عملا في "بقايا الوطن" أن تنتظر الترخيص، وإن عملت ستخضع للمساءلة، شرط ان لا تصبح منح التراخيص دون ضوابط قانونية خاصة في ظل غياب المجلس التشريعي، وأن اي ترخيص لا يتطلب وقتا كما حدث للصحيفة التي تم اغلاقها..
ولو توقفت الجهات التي أصدرت القرار، ولن أتوقف عن مسبباته الآن، فلكل يقول ما يقول، الا أن الجوهري ان لا يتم ذلك دون مخالفات خطيرة جدا، مع أن مثل هذا السلوك يجب أن يراعي الوضع السياسي العام في البلاد، أو ما تبقى منها بالأدق، وبالتحديد صلاحية تلك الجهات على جزء منها، وهي الضفة الغربية، دون القدس ودون قطاع غزة..
لو راجع السادة الذين أصدروا قرار الاغلاق بيانات نقابة الصحفيين الفلسطينيين قبل ايام، ضد مطاردة قوات الاحتلال لوسائل الاعلام واستهداف الصحفيين كجزء من ملاحقة "الهبة الشعبية"، لأدرك القائمون على قرار اغلاق الصحيفة ان توقيتهم جاء خاطئا من الناحية السياسية الوطنية، وأنه يأتي في سياق مطاردة لوسائل الاعلام والصحافة..
فيما لو أعاد مسوؤلي جهات اغلاق الصحيفة، قراءة بيان اللجنة التنفيذية يوم الاربعاء، بعد صدور قرار الاغلاق بساعات، لوجدوا به فقرات مطولة تتعلق بموقف سلطات الاحتلال من الصحافة ووسائل اعلام، وكيف أن تنفيذية المنظمة أدانت "اعتداء قوات الاحتلال على حرية الصحافة والتعبير واستهداف الصحفيين.. وأكدت أن تصعيد قوات الاحتلال من اعتداءاتها على الصحافيين الفلسطينيين، واستهداف حياتهم بشكل مباشر؛ يهدف الى التعتيم على جرائم الاحتلال المتواصلة بحق الشعب الفلسطيني.."
تلك الفقرات المختصرة يجب أن تكون أيضا واضحة تماما أمام الجهات الرسمية في مؤسسات السلطة الفلسطينية، وإن كان هناك مقال هو سبب ذلك القرار فتلك مصيبة تفوق قرار الاغلاق ذاته..
كيف يمكن تبرير اغلاق صحيفة لمقال نال من هذا أو ذاك، حتى لو وصل التجاوز مداه، فهناك آليات مختلفة كليا عن ما ذهبت اليه الأجهزة بقرارها، خاصة وأن توقيت القرار ايضا جاء متوافقا مع حملة قوات الاحتلال الممنهجة ضد وسائل الاعلام والصحفيين لتغييب الحقيقة الوطنية..هل يمكن أن يصدق اي كان أن مقالا مهما كان به يمكن أن يهز "مؤسسة أمنية" الى هذه الدرجة بحيث يتم المغامرة بسمعة السلطة في ظل حرب المحتل عليها، من أجل عيون هذا الجهاز أو ذاك المسؤول..
بعيدا عن تبريرات ساذجة، أعيدوا الأمر الى نصابه، وليت العمل وفقا للمصلحة الوطنية العليا وليس مزاج هذا أو ذاك كان من كان صفته ومسوؤليته..ولا تنسوا أن "الإغلاق" لن يمنع التكتابة في عصر التواصل العجيب..النت أكثر رحابة بكثير ممن يظن "ضابط الأمن"..وكل ما سيكون هو عقاب لعاملين في مكتب ولبيس عقابا للنشر..!
مجددا اكرر أني اختلف كليا مع تلك الصحيفة، ولكنني أخالف بالمطلق إغلاقها وأي مؤسسة اعلامية دون حساب قانوني سليم، وليس تربصا بمقال أو خبر..ولطرق المحاسبة شعب وتشعبات قبل أن يصل الى الاغلاق..
التراجع عن الخطأ فضيلة ..والإصرار عليه حماقة..الخيار لجهة قرار الاغلاق!
ملاحظة: حديث رئيس حركة "حماس" خالد مشعل عن الخالد ابو عمار يمثل "خيرا سياسيا"، وأن حماس لن تمانع باحياء ذكراه خيرا مضافا..والأمل ان لا تكون الذريعة الأمنية "جدارا فاصلا" لتنفيذ "بشرى مشعل"..ننتظر ونرى!
تنويه خاص: رفض حركة "حماس" الدخول في حرب صواريخ وكذا الجهاد الاسلامي هو "صواب وطني"، ويجب أن لا تخضع تلك المسألة للمزايدة والمناقصة..ابحثوا عن "صواريخ الطاقة البشرية" المخزونة لتعظيم شأن "السكين الوطني".."الولدنة السياسية" لا يجب أن تكون في القضايا الكبرى!
