تاريخ النشر: 2024-11-17 | 15:30
تاريخ النشر: 2024-11-17 | 15:30
بعد عام حرب الإبادة الجماعية هل يجوز المقارنة بين اتفاق أوسلو وطوفان الأقصى (السابع من أكتوبر) من زاوية الربح والخسارة؟ تبدو المقارنة هنا غير منطقية للبعض، لكن لأبد منها على اعتبار أن الأمرين همّا قمة ما توصلت إليه الفكر السياسي الفلسطيني في كلا المشروعين. على اعتبار أن اتفاق أوسلو هو قمة إنجازات مشروع التسوية، بينما عملية طوفان الأقصى هي قمة إنجازات مشروع المقاومة .
لو وضعنا اتفاق أوسلو والسابع من أكتوبر في ميزان الربح والخسارة، سوف نجد الفرق الكبير بين العقلانية والواقعية السياسية في تحقيق الأهداف الوطنية، عبر تجسيد مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة لو عن طريق التفاوض، وبين اللاواقعية والتهور الشديد الذي نتج عن السابع من أكتوبر!
رغم كل الانتقادات التي وجهت لاتفاق أوسلو من القريب والبعيد ، إلا أنه يظل الاتفاق السياسي والوحيد الذي اعترفت فيه إسرائيل الرسمية بالشعب الفلسطيني كجماعة سياسية ، لذلك قرار محكمة العدل الدولية حول عدم قانونية استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية استند على الاتفاق في التأكيد على انتهاك إسرائيل حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، ناهيك أن الاتفاق جسد الكينونة السياسية للشعب الفلسطيني عبر إنشاء اول سلطة وطنية فلسطينية على جزء من الارض الفلسطينية، كما الاتفاق سمح بعودة اعداد كبيرة من اللاجئين من الخارج ، بالإضافة إلى الكثير من الإنجازات التي تحققت بفضل هذا الاتفاق .
كان يدرك ياسر عرفات أن الاتفاق لا يمثل كامل الطموح الفلسطيني، لكنه رأي فيه خطوة على طريق الدولة، كما انه أراد توريط إسرائيل في اتفاق مكتوب برعاية دولية في ظل الإخلال بموازين القوى الدولية والإقليمية، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وصعود الولايات المتحدة الأمريكية كقطب وحيد على رأس النظام الدولي.
فالاتفاق برغم الكثير من الملاحظات التي اخذت عليه، ساهم في تحقيق العديد من الإنجازات السياسية والميدانية للشعب الفلسطيني، كان أهمها إنساء أول سلطة فلسطينية وتوحيد غزة والضفة الغربية تحت ولاية السلطة الفلسطينية، الامر الذي رأي فيه اليمين الديني الحاكم في إسرائيل خطرًا استراتيجيًا على مستقبل دولة الاحتلال، لذلك قال عنه نتنياهو مؤخرًا " لن نعيد الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكب في أوسلو".
أما الحديث عن السابع من أكتوبر وتداعيات التكتيكية والاستراتيجية، فالحديث يطول عن هول الكارثة التي حلت بالشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، حيث وضعت العملية العسكرية القضية الفلسطينية في مهب الريح، وادّت إلى قتل وجرح الآلاف من الشعب في غزة والضفة، وتدمير كامل للنية التحتية والنشاط الاقتصادي والتجاري والزراعي، وساهمت في حدوث زيادة معدلات الفقر والبطالة والجوع، كما أدت إلى إعادة احتلال القطاع وتقسمه من خلال الطرق العرضية والمحاور والمناطق العازلة التي باتت تشكل أكثر من 35% من مساحة القطاع، وتهجير مئات آلاف من المواطنين خارج غزة.
صحيح إن مقاومة الاحتلال حق أصيل للشعوب الواقعة تحت الاحتلال العسكري وفق القانون الدولي، لكنها أيضا مطالبة بالعقلانية والالتزام بقواعد القانون الدولي، وعدم اعطاء الاحتلال الذرائع لارتكاب إبادة جماعية بحق الشعب، فالفعل المقاومة يجب أن يكون عقلاني وموضوعي في اختيار الأساليب والأدوات التي تجنب الشعب رادات الفعل العنقية، كما أنه يجب أن يأخذ في عين الاعتبار التداعيات المتوقعة، ناهيك عن ضرورة تحضير الجبهة الداخلية على مستوى الخدمات والسلع لتقليل الخسائر وتعزيز صمود المواطن.
أخيرًا لابد من التأكيد أن الخطوات والقرارات السياسية تحسب بتداعياتها، ونتائجها في تحقيق الأهداف الوطنية العليا، من خلال من منظور ميزان الربح والخسارة، كون أن تقييم التجارب والاستفادة من الدروس بعيدًا عن الغوغائية الإعلامية والشعبوية السياسية التي باتت تسطح القضايا وتجعل من الكوارث انتصارات.