لا تبدو «اتفاقيات مكة» مجرد ترتيبات أمنية أو تفاهمات دفاعية عابرة بين عدد من القوى الإقليمية، بقدر ما يمكن قراءتها بوصفها مقدمة لمسار أوسع نحو إعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. فخلف العناوين الأمنية والعسكرية، تبرز معادلة أكثر عمقاً تقوم على ثلاثية: المال، والقوة، والردع؛ وهي ثلاثية يمكن أن تمنح الإقليم، للمرة الأولى منذ عقود، هامشاً أوسع للحركة والمناورة بعيداً عن الاعتماد الكامل على المظلات الدولية الكبرى.
في هذه المعادلة، تبدو الأدوار موزعة بصورة لافتة. فالسعودية تمتلك واحدة من أهم روافع القوة الاقتصادية والمالية في المنطقة، بما تملكه من موارد وقدرة على تمويل المشاريع وبناء الشراكات الاستراتيجية. وفي المقابل، راكمت تركيا خلال السنوات الماضية قاعدة متقدمة في التكنولوجيا والصناعات الدفاعية، جعلتها لاعباً رئيسياً في سوق السلاح والتقنيات العسكرية الإقليمية. أما باكستان، فتحتفظ بموقع مختلف، باعتبارها الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك سلاحاً نووياً، الأمر الذي يمنح حضورها بعداً يتجاوز التعاون العسكري التقليدي إلى مفهوم الردع الاستراتيجي.
ومن هنا تكتسب اتفاقيات مكة أهميتها السياسية. فهي لا تعني بالضرورة تأسيس محور موجه ضد طرف بعينه، ولا ينبغي اختزالها في إطار المواجهة مع إيران، بقدر ما يمكن النظر إليها باعتبارها تعبيراً مبكراً عن محاولة إقليمية لإعادة تعريف وظيفة القوى الإقليمية داخل نظام دولي آخذ في التحول.
فالمنطقة التي اعتادت طويلاً أن تتحرك ضمن ترتيبات أمنية تعتمد بدرجة كبيرة على القوى الكبرى، تبدو اليوم أمام محاولة لبناء قدرات ذاتية تسمح لها بتوسيع هامش القرار. وهذا التحول لا يعني الانفصال عن النظام الدولي أو الاستغناء عن الشراكات الدولية، وإنما يعني أن القوى الإقليمية تريد أن تمتلك أدوات إضافية تجعل خياراتها أوسع، وقدرتها على المناورة أكبر، واعتمادها على الآخرين أقل.
ولعل الأهم في هذه المعادلة هو الانتقال التدريجي من مفهوم «الإقليم المغلق» إلى إقليم أكثر انفتاحاً على الشراكات العابرة للحدود. فالقوة لم تعد تُقاس فقط بحجم الجيوش أو امتلاك الموارد، وإنما بقدرة الدول على جمع عناصر القوة المختلفة في شبكة واحدة: التمويل، والتكنولوجيا، والصناعة، والطاقة، والأمن، والردع.
وبهذا المعنى، فإن السعودية وتركيا وباكستان لا تمثل كل واحدة منها مجرد دولة ذات مصالح منفردة، وإنما يمكن أن تشكل، إذا ما تطورت تفاهماتها، حلقات متكاملة في منظومة إقليمية جديدة؛ فالأولى توفر الثقل المالي والاقتصادي، والثانية قاعدة صناعية وتكنولوجية دفاعية متقدمة، والثالثة تمتلك عنصر الردع الاستراتيجي.
لكن القيمة السياسية لاتفاق مكة لا تتوقف عند هذه الأبعاد المادية. فاختيار مكة تحديداً يمنح التفاهمات بعداً رمزياً يتجاوز الحسابات الأمنية البحتة. فالمكان يحمل دلالة إسلامية وسياسية عميقة، ويبعث برسالة علنية مفادها أن التعاون بين هذه القوى يمكن أن يُقدَّم ليس فقط باعتباره ترتيبات للمصالح الوطنية، وإنما أيضاً باعتباره جزءاً من تصور أوسع لدور العالم الإسلامي في مرحلة دولية تتراجع فيها قدرة قوة واحدة على احتكار قواعد اللعبة.
لذلك، قد يكون من المبكر التعامل مع اتفاقيات مكة باعتبارها نواة لتحالف إقليمي مكتمل الأركان. الأهم في هذه المرحلة هو أنها تكشف عن اتجاه جديد في التفكير الاستراتيجي الإقليمي: بناء القدرة قبل الحاجة إليها، وتنويع مصادر القوة، وتوسيع هامش الحركة والمناورة.
إن العالم يتجه نحو نظام أكثر تعددية، وفي مثل هذه البيئة لا تنتظر القوى الإقليمية بالضرورة أن تُمنح لها مساحة الحركة؛ بل تحاول أن تصنع هذه المساحة بنفسها.
ومن هذه الزاوية، تصبح مكة أكثر من مكان لتوقيع التفاهمات. إنها قد تكون نقطة انطلاق لمسار إقليمي جديد، عنوانه الأساسي: امتلاك أدوات القوة بدلاً من الاكتفاء بطلب الحماية، وتوسيع هامش القرار بدلاً من الارتهان لخيار واحد.
فالمال وحده لا يصنع نفوذاً، والقوة العسكرية وحدها لا تصنع استقراراً، والردع وحده لا يصنع نظاماً. لكن اجتماع التمويل والقوة والردع ضمن شبكة من الشراكات الإقليمية قد يفتح الباب أمام شرق أوسط مختلف؛ شرق أوسط لا يقطع علاقاته بالقوى الكبرى، لكنه لا يجعلها شرطاً وحيداً لقدرته على الحركة والمبادرة.