عواصم: يفتح «اتفاق مكة» للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان فصلًا جديدًا في هندسة الأمن الإقليمي، ليس فقط لأنه يجمع ثلاث قوى إسلامية ذات ثقل عسكري وسياسي واقتصادي متفاوت، وإنما لأنه يأتي في لحظة تتراجع فيها الثقة بقدرة الولايات المتحدة على الاستمرار بوصفها الضامن الأمني الرئيسي للمنطقة، بالتزامن مع تصاعد التهديدات الإقليمية واتساع دائرة المواجهات.
وفي تحليل نشرته صحيفة «ذا هندو» الهندية في 9 أغسطس/آب 2026، يقدم محررها الدولي د. ستانلي جوني قراءة للاتفاق من منظور هندي، تتوقف عند الخلفيات التاريخية للعلاقات السعودية-التركية، والدوافع الاستراتيجية للدول الثلاث، وحدود الالتزام الدفاعي المتبادل بينها، فضلًا عن التداعيات المحتملة للتحالف الجديد على الهند وإيران وإسرائيل والإمارات وعلى مستقبل الوجود الأمريكي في غرب آسيا.
تكتسب الشراكة الدفاعية السعودية-التركية دلالة خاصة بالنظر إلى التاريخ الطويل والمعقد للعلاقات بين الجانبين. فالتنافس بين آل سعود والدولة العثمانية يعود إلى القرن التاسع عشر، عندما انتهت الدولة السعودية الأولى إثر الحملة العثمانية، قبل أن تتجدد مظاهر التنافس في العقود الأخيرة حول قضايا النفوذ الإقليمي.
وازدادت حدة الخلافات خلال مرحلة «الربيع العربي»، مع تبني أنقرة والرياض مقاربات مختلفة تجاه التحولات السياسية في المنطقة، ثم دخلت العلاقات مرحلة أكثر توترًا بعد مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول عام 2018.
لكن السنوات اللاحقة شهدت تحولًا تدريجيًا باتجاه المصالحة وإعادة بناء العلاقات، وصولًا إلى 7 أغسطس/آب 2026، عندما اجتمع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب إردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في مكة المكرمة لتوقيع الاتفاق الدفاعي الثلاثي.
وينص الاتفاق على أن أي هجوم مسلح تتعرض له إحدى الدول الثلاث سيُعامل باعتباره هجومًا على جميع الأطراف، في صيغة تستحضر من حيث المبدأ مفهوم الدفاع الجماعي الذي تقوم عليه التحالفات العسكرية الكبرى.
ولا يبدأ التعاون من نقطة الصفر؛ إذ جاء الاتفاق الثلاثي بعد اتفاقية الدفاع المتبادل الاستراتيجي التي وقعتها السعودية وباكستان في سبتمبر/أيلول 2025، فيما سبق الاتفاق الجديد مسار تفاوضي ثلاثي استمر نحو عام.
يربط التحليل الهندي التحول السعودي بتراكم الشكوك حول موثوقية الضمانات الأمنية الأمريكية، وهي شكوك لم تنشأ بصورة مفاجئة، وإنما تطورت على مدار سنوات بفعل سلسلة من الأزمات الإقليمية.
وكانت هجمات عام 2019 على المنشآت النفطية السعودية محطة أساسية في هذا المسار، إذ اعتبرت الرياض أن الرد الأمريكي المحدود على تلك الهجمات كشف حدود المظلة الأمنية التقليدية التي اعتمدت عليها دول الخليج لعقود.
وفي السنوات التالية، بدأت السعودية تنويع خياراتها السياسية والأمنية. وفي عام 2023 توصلت إلى اتفاق لتطبيع العلاقات مع إيران برعاية صينية، بالتوازي مع التهدئة مع الحوثيين، في مؤشر على توجه سعودي نحو خفض المخاطر الإقليمية من خلال الدبلوماسية بدل الاعتماد الحصري على الردع الأمريكي.
وتعمقت هذه الحسابات مع اتساع نطاق الصراعات الإقليمية بعد هجوم حماس في أكتوبر/تشرين الأول 2023، ثم ازدادت تعقيدًا مع التطورات العسكرية اللاحقة في المنطقة.
وبحسب القراءة التي يقدمها جوني، بلغت المخاوف السعودية مستوى جديدًا بعد اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير/شباط 2026، وما تبعها من هجمات إيرانية استهدفت دولًا خليجية، من بينها السعودية.
في هذا السياق، يمكن النظر إلى «اتفاق مكة» باعتباره جزءًا من محاولة سعودية لبناء شبكة أمنية أكثر تنوعًا، لا تقوم بالضرورة على استبدال الولايات المتحدة، وإنما على تقليص الاعتماد المطلق عليها وإضافة شركاء يمتلكون قدرات عسكرية مباشرة.
بالنسبة إلى تركيا، يأتي الاتفاق في إطار سعي طويل الأمد إلى توسيع حضورها الأمني والسياسي في غرب آسيا.
تمتلك أنقرة بالفعل حضورًا عسكريًا في قطر، كما وسعت خلال السنوات الماضية علاقاتها الدفاعية مع عدد من دول المنطقة، لكن انضمامها إلى إطار دفاعي مشترك مع السعودية وباكستان يرفع هذا الدور إلى مستوى مختلف.
ويربط التحليل بين التحرك التركي والقلق المتزايد في أنقرة من التوسع العسكري الإسرائيلي في المنطقة. كما تنظر تركيا بحساسية إلى التحذيرات الإسرائيلية المرتبطة بعلاقاتها مع حركة حماس، وهو ما يجعل صعود القوة الإسرائيلية عاملًا حاضرًا في حساباتها الأمنية.
وفي الوقت نفسه، يطرح الكاتب تساؤلات حول مدى قدرة تركيا على الاعتماد الكامل على حلف شمال الأطلسي في سيناريو مواجهة محتملة مع إسرائيل، الحليف الأقرب للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
وتتزامن هذه المخاوف مع تقييم تركي بأن حلف الناتو نفسه يواجه تحديات داخلية مرتبطة بمستقبل الالتزامات الأمريكية تجاه الحلف في عهد الرئيس دونالد ترامب.
وبذلك يوفر الاتفاق الجديد لتركيا مساحة إضافية للمناورة الاستراتيجية خارج الإطار الأطلسي، ويمنحها موقعًا متقدمًا في أي هندسة أمنية إقليمية جديدة قد تتشكل خلال السنوات المقبلة.
أما باكستان فتمنح الاتفاق بُعدًا مختلفًا تمامًا، كونها القوة النووية الوحيدة بين الدول الإسلامية.
وعلى الرغم من التحديات الاقتصادية التي تواجهها إسلام آباد، فإن قدراتها العسكرية والنووية وعلاقاتها التاريخية الوثيقة مع السعودية تجعلها شريكًا أمنيًا ذا وزن خاص.
لكن الحسابات الباكستانية لا تنفصل عن الهند. فقد شهدت العلاقات بين القوتين النوويتين مواجهة جوية قصيرة في مايو/أيار 2025 عقب هجوم بهالجام، ما أعاد قضية الردع المتبادل إلى صدارة أولويات الأمن القومي الباكستاني.
ومن هذا المنظور، يمنح التحالف مع السعودية وتركيا باكستان شبكة علاقات استراتيجية أوسع، وقد يعزز قدرتها على موازنة الهند سياسيًا واستراتيجيًا.
وهنا تحديدًا تظهر أهمية زاوية النظر الهندية إلى «اتفاق مكة». فالتحالف لا يُقرأ في نيودلهي باعتباره ترتيبًا أمنيًا خاصًا بغرب آسيا فحسب، وإنما باعتباره تطورًا يمكن أن يمتد تأثيره إلى توازن القوى في جنوب آسيا بسبب عضوية باكستان فيه.
على الرغم من الصياغة القوية لبند الدفاع الجماعي، يشكك التحليل في مدى إمكانية تفسيره باعتباره التزامًا تلقائيًا بخوض الحروب نيابة عن أي طرف يتعرض لهجوم.
فليس من المؤكد، مثلًا، أن تدخل باكستان حربًا ضد إيران أو الحوثيين إذا تعرضت السعودية لهجوم، كما لا يمكن الافتراض أن تركيا والسعودية ستنخرطان تلقائيًا في مواجهة عسكرية هندية-باكستانية جديدة.
وتستند هذه الشكوك إلى التجربة العملية للعلاقات الدفاعية القائمة. فباكستان لم تتدخل عسكريًا بصورة مباشرة إلى جانب السعودية خلال الهجمات الإيرانية والحوثية التي تعرضت لها المملكة، كما لم تتدخل السعودية في المواجهات المتكررة بين باكستان وأفغانستان الخاضعة لحكم طالبان حتى بعد توقيع اتفاق الدفاع الثنائي السعودي-الباكستاني.
وهذا يعني أن القيمة المباشرة للاتفاق قد تكمن في الردع السياسي والعسكري وفي توسيع التعاون الدفاعي أكثر من كونها التزامًا آليًا بالدخول في كل حرب يخوضها أحد أطرافه.
تبدو الهند من أكثر الدول اهتمامًا بالتداعيات غير المباشرة للاتفاق. فإسلام آباد، الخصم التاريخي لنيودلهي، أصبحت جزءًا من إطار أمني يضم السعودية وتركيا، وهما دولتان تتمتعان بثقل كبير في العالم الإسلامي.
وقد يثير ذلك تساؤلات هندية حول مدى إمكانية تحول العلاقات الدفاعية الباكستانية مع الرياض وأنقرة إلى عنصر إضافي في ميزان الردع بين الهند وباكستان.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن السعودية أو تركيا ستتبنيان الموقف الباكستاني في أي مواجهة مستقبلية مع الهند، لكن مجرد وجود إسلام آباد داخل إطار دفاعي متعدد الأطراف يضيف متغيرًا جديدًا إلى الحسابات الاستراتيجية في جنوب آسيا.
كما يضع ذلك نيودلهي أمام ضرورة الموازنة بين علاقاتها المتنامية مع دول الخليج، ولا سيما السعودية والإمارات، وبين مخاوفها التقليدية من أي ترتيبات من شأنها تعزيز المكانة الاستراتيجية الباكستانية.
لا تقتصر تداعيات «اتفاق مكة» على الهند. فالكاتب يرى أن دولًا أخرى لديها خلافات أو علاقات معقدة مع أحد أطراف التحالف قد تبدأ بدورها التفكير في ترتيبات موازنة.
وتأتي الإمارات وإسرائيل وإيران ضمن الدول التي يمكن أن تنظر باهتمام إلى تطور هذا الإطار الأمني، وإن كانت حسابات كل منها مختلفة بصورة جوهرية.
فأي انتقال من العلاقات الثنائية المرنة إلى تحالفات دفاعية أكثر تنظيمًا قد يدفع القوى الإقليمية إلى إعادة تقييم شبكات شراكاتها العسكرية والسياسية، وهو ما قد يفتح الباب أمام بنية أمنية تقوم على توازن عدة محاور بدل النظام الذي ظل لعقود متمركزًا حول القوة الأمريكية.
تكمن الدلالة الأوسع للاتفاق في توقيته. فهو يجمع ثلاث قوى إسلامية رئيسية في إطار أمني واحد في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة حدود قدرتها على إدارة الأزمات الإقليمية وضمان أمن شركائها بالطريقة التي اعتادت عليها منذ عقود.
ومع ذلك، لا يعني الاتفاق بالضرورة نهاية الدور الأمريكي أو قيام بديل متكامل عنه. فالسعودية وتركيا وباكستان تحتفظ كل منها بعلاقات مختلفة ومهمة مع واشنطن، كما أن المصالح الاستراتيجية للدول الثلاث ليست متطابقة.
السؤال الأكثر أهمية يتعلق بما إذا كان «اتفاق مكة» سيظل إطارًا سياسيًا للردع والتنسيق، أم سيتطور إلى منظومة دفاعية مؤسسية تشمل تخطيطًا عسكريًا مشتركًا، وتبادلًا استخباريًا، وتعاونًا في الصناعات الدفاعية، وآليات واضحة للاستجابة للأزمات.
لكن الاتفاق، حتى قبل اختبار فعاليته العسكرية، يكشف عن تحول أعمق في البيئة الاستراتيجية للمنطقة: القوى الإقليمية لم تعد مستعدة لبناء أمنها على افتراض بقاء الضمانات الأمريكية بالشكل ذاته إلى أجل غير محدود.
ومن هذه الزاوية، قد يكون «اتفاق مكة» مؤشرًا مبكرًا إلى انتقال غرب آسيا نحو نظام أمني أكثر تعددية، تتحرك فيه القوى الإقليمية لبناء شبكاتها وتحالفاتها الخاصة، فيما تتحول الولايات المتحدة تدريجيًا من مركز وحيد تقريبًا للمنظومة الأمنية إلى واحد من عدة أطراف مؤثرة فيها.
وبالنسبة إلى الهند، فإن أهمية هذا التحول تتجاوز الشرق الأوسط، لأن دخول باكستان في تحالف يضم السعودية وتركيا يجعل إعادة تشكيل الأمن في غرب آسيا متصلة بصورة أوثق بتوازن القوى في جنوب آسيا. وإذا دفعت هذه التطورات الهند والإمارات وإسرائيل وإيران وغيرها إلى البحث عن ترتيبات موازية أو تعزيز شراكات قائمة، فقد يكون «اتفاق مكة» بداية تحول أوسع في خريطة التحالفات، لا مجرد اتفاق دفاعي جديد بين ثلاث دول.