تاريخ النشر: 2022-04-18 | 12:48
تاريخ النشر: 2022-04-18 | 12:48
عملية مجنونة من الانهيارات الدرامية المتتالية في الجدار الحامي للأمة وفي بعثرة مكوناتها الثقافية والعرقية والمذهبية الى مزق متصارعة، ففي نهاية الدورة الحضارية الأولى قطع العرب كل صلاتهم بجيرانهم من المسلمين واصبح الاتراك والفرس مثلا خصوما واقعيين اقليميين بعد ان نفخ شيطان العرقيات في عقول قادة الشعوب، ولقد اشتبك العرب بالفرس بحروب دامية كما اشتبكوا قبل ذلك بالترك في معارك افقدت الجميع سيادته ومكنت من غرس الكيان الصهيوني.. معارك افقدت العرب عمقهم الحضاري في المنطقة ومجالهم الحيوي وكم كانوا يحتاجون اليه.. وفي السياق نفسه فقد العرب اثيوبيا الجار الودود القريب الشريك في لحظات الانطلاق وأصبحت اثيوبيا بأهلها المسلمين والنصارى في خارج حسابات العرب بل قد تكون الشكوك والريبة هما الحكم في العلاقات المتبادلة بين العرب والجيران.
الجار الافريقي -واثيوبيا أهمه- كما الجار الآسيوي الإيراني والتركي، والأوربي التركي وسواه، وتوابعه وجد نفسه يتحرك بمعزل عن قوة جذب المغناطيس العربي الذي ظل قرونا عديدة يمثل قوة الدفع والتجدد للدينامو الحضاري في الأمة لغة ودينا ومواقعا استراتيجية للفكرة الحضارية.. تخلى العرب عن دورهم المركزي في نظم مشروع الأمة، هذا فيما هم في أشد الحاجة اليه واندفع الاخرون الى كيانات عرقية او مذهبية تمعن في تكريس القطيعة مع العرب و تكريس روح الشعوبية.
لقد كان التنوع العرقي والتوزع المناطقي قوة مدخرة للامة وخزائن بشرية استراتيجية كما حصل في اكثر من مرة فلقد هب البربر مع بن تاشفين لإنقاذ الاندلس، كما هب الاكراد مع صلاح الدين لتحرير بيت المقدس والتصدي للصليبيين، وكما هب الاتراك العثمانيون في انقاذ الجزائر وبلاد عربية كثيرة.. ولكننا نشهد اليوم حدودا ملتهبة بين العرب وسواهم يذكي اوارها المستعمرون اللصوص.
لقد كانت عملية تحطيم الجدار الحامي للامة اخطر ما رافق تيار العلمنة والعرقيات وفوضى الأفكار والقيم وهو بالضبط ما مكن للكيان الصهيوني والتخلف في الامة.
اثيوبيا الكبيرة خارج الحاضر:
اثيوبيا بلد افريقي كبير جار للعرب ومتفاعل معهم منذ نهضتهم الأولى حيث النجاشي الملك العادل الذي آوى مجموعات المسلمين الفارة اليه بدينها فدافع عنهم واكرم وفادهم وحماهم من بطش قادة قريش المشركين، فكان الاحباش بذلك شركاء اساسيين في نصر الفكرة والتمكين لها.. فكيف تركنا هذا البلد لقمة سائغة للمؤامرات حتى يصل الامر بانخراط مجموعات من أولاده في المشروع المعادي للامة؟ قد تكون الاجابة اننا تركنا انفسنا للمؤامرات فهل نهتم بمن سوانا؟.. وقد تنطلق أسئلة أكثر مباشرة بمنطق عرقي او جهوي تمعن في تفسيخ الامة .. لكن لعله من المؤكد ان لا قوة لأي بلد او أمة بدون التواصل مع أبعادها وامتداداتها وتحالفاتها الحقيقية.. فالتحديات متنوعة والتواصل ضروري للانطلاق الحضاري. وهكذا نجد ان فراقنا عن جوارنا انما هو قد تم بلا إحساس بالمسئولية التاريخية أو الحضارية أو الانسانية.
75مليون مسلم اثيوبي.. انها كتلة إسلامية كبيرة بحجم شعوب الجزيرة والعراق وبلاد الشام وبواقع 70 بالمائة من السكان.. يعيشون في بلد تاريخي عظيم متجانس بين اثنياته الدينية والقبلية لنا به علاقة روحية خاصة.. بلد كان ينبغي ان يكون مع العرب صفا واحدا في مواجهة التحديات.. بلد افريقي اساس في القسم الشرقي من افريقيا تركه العرب ولم يلتفتوا اليه ولم يشعروا بأهميته الا عندما بدأ يتحرك بموضوع المياه والنيل..
بلد تنتشر فيه اللغة العربية بقوة والثقافة الاسلامية منتشرة فيه بقوة تركناه عرضة لكل المؤامرات.. اثيوبيا جارة كبيرة للعرب فيها من الثروات المهم والوفير وفيها عمق استراتيجي للعرب فهل ان الاوان لفتح ملفها لمصلحة الامة .. وعندما فقدنا التواصل مع الاثيوبيين غرق الساسة الاثيوبيون في برامج القوى المتربصة بالأمة تماما.. فكان الانهماك في ترحيل مئات الاف ممن ينسبون الى الفلاشا اليهود على مراحل الى الكيان الصهيوني كان أولها أيام جعفر النميري في الفضيحة الشهيرة.. وجاء موضوع سد النهضة ليكون بمثابة اعلان الخصومة الجهرية مع العرب وذلك بتعريض مصر والسودان أي نصف العرب تقريبا الى خطر جسيم يهدد امنهم الغذائي والمائي والصحي..
كيف حصل هذا التصعيد بين اثيوبيا والعرب؟ الواضح ان هذا السؤال يصلح لو اطلقناه على ما بيننا وكل الشعوب الاخرى التي عايشتنا وشاركتنا في عالميتنا الحضارية الأولى.. ان مثل هذا السؤال يعيد المسألة الى اطارها الصحيح وان أي معالجة جزئية وسطحية لن يحقق وئاما وسلاما بل هو كمسكن للمرض.
سؤال "كيف حصل هذا" يعيدنا الى المربع الأول في محاولة فهم ما الذي حصل لامتنا كيف تم الانهيار واحتلال بلداننا كيف أصبحت بلداننا تابعة للاستعمار يهيمن على ثرواتها ويحكم خصوصياتها وهنا لابد من تحديد مسئوليتنا كأمة بأحزابها وقياداتها مما حصل.. وعندما نتجاوز هذا السؤال نحو مظاهر عملية نكون معرضين مرة تاريخية أخرى لنكبة اشد ايلاما وهذا ما وقع.. وهنا لابد من التنبيه ان الاستعمار استطاع ان يحتوينا ويحتوي نخبنا السياسية والفكرية وأصبحت عقولنا تشتغل في دائرة ارادته ومصالحه.. اصبحنا كأحزاب وحكومات دمى بيده يسخرنا لمصالحه كيفما شاء يستنفذنا الى اخر نفس واسوا تلك الاستخدامات عندما يحولنا اضدادا في الامة بين العرب وجيرانهم وقد حقق ذلك وداخل العرب بل وادخل كل بلد من بلاد العرب..
وفيما نحن نراقب كل الحلول المطروحة لأزماتنا داخل انتمائنا الحضاري الوطني والعربي والإسلامي نكتشف ان المنفق على مشروع نهضة الأمة لا يتفق مع الحد الأدنى لإرادة السيادة والاستقلال والنهضة التي تطالب بها جل الأحزاب والقوى السياسية العربية.. هذا مع أحسن الظن ومع وجود منشغلين بالموضوع، وهذا يعني بوضوح اننا نعلن الخسارة والفشل منذ اللحظة الأولى.
لقد تعرضت اثيوبيا الى أوضاع مزرية في عشريات سابقة من المجاعة والانفصاليين كما سبق ان تعرضت الى محاولات استعمارية متكررة لعزلها عن التواصل الطبيعي بمن حولها فاثيوبيا بما تزخر به من خيرات وما تمثله من موقع جيوسياسي وبما انها كتلة إسلامية ضخمة حققت تعايشا فريدا مع الطوائف الدينية الأخرى لهذا كله كان من المفترض ان تقام جسور التعاون والمساعدة من قبل الدول العربية التي تبحث عن الاستقلال والسيادة على ثرواتها.
السودان وحده من فتح الحدود بلا قيود امام ملايين الاثيوبيين ومنحهم الفرصة للعمل والإقامة بدون شروط وتداخل الشعبان و لكن السودان دون القدرة على حل مشكلات بلد بحجم اثيوبيا التي وجدت نفسها في مهب ريح الجوع والتخلف والمرض.
لقد كان الوضع الاقتصادي والمعيشي لاثيوبيا بوابة للتدخل الأجنبي عن طريق الديون والاستثمارات وفي هجمة الاستثمارات الأجنبية وجدت إسرائيل فرصتها لتدخل ميدانا حساسا وخطرا.. لقد تنازل الاثيوبيون كثيرا مقابل ان يخرجوا من ماسيهم وكان مشروع سد النهضة او مشروع ترحيل الفلاشا وجزء منهم مسلمين الى إسرائيل يعني بوضوح ان المساعدات الإسرائيلية وجدت قبولا لدى حكام اثيوبيا كما هو الحال في ارتيريا..
لا نقدم تبريرات لما تقوم به اثيوبيا من علاقات مع الكيان الصهيوني او السير بعيدا في التحدي ضد مصر والسودان بخصوص سد النهضة ولكننا نرى ان المعالجات العربية للعلاقة مع دول الجوار العربي بما فيه اثيوبيا معالجات نزقة فوقية وغير مبالية بل أحيانا تكون استعدائية كما كان الحال مع ايران وتركيا..
ما مارسته ايران الشاه كان خطرا على الامن القومي العربي ولكن ما فعله العرب ضد ايران بعد ثورتها كان مهلكا لإيران وقوتها وكذلك الحال مع تركيا التي كانت في حقبتها العثمانية الأخيرة تحمل الجور باشكاله للوطن العربي قابلناه بتحالف مع الانجليز ضدها وحاربناها وكان العدو الاستراتيجي يتسلل في هذا الشروخ يعمقها ويكرس حالة الريبة والشك..
ان اول الخطوات الحقيقية لمعالجة أزمات الجوار هو حضور عربي مقتدر يلتف حول نفسه يصحح ويعالج مشكلاته الذاتية ويفرض شراكات وتكامل اقتصادي وتبادل علمي وثقافي ويد عاملة وخبرات وتفعيل البرلمان العربي وقراراته.. هذه الخطوة الوحيدة التي تؤهلنا لاعادة صياغة علاقتنا بالجوار الإسلامي ايران وتركيا واثيوبيا والدول الافريقية الأخرى..
ولن يزيدنا التوتر ومحاولات الرد والرد المضاد الا نزفا وقلقا وخطورة.. وهكذا يصبح واضحا ان الحل الأمني عاجز والحل الدبلوماسي عاجز والمفاوضات عاجزة ولن تقودنا الى حلول منطقية متفق عليها بتراض.. وهنا نصبح رهينة التدخلات الأجنبية في ازماتنا الداخلية.. وهنا نكون كما يقول المثل سلم لحيته لغيره.
العرب هم مفتاح حل أزمات العالم الثالث والعالم الإسلامي باعتبارهم نواته والتي تحمل عناوين القداسة والذين يقفون على تخوم العالم وممراته المائية وعلى اهم ثرواته النفطية والطبيعية.. لذلك فانهم مؤهلون تماما للقيام سريعا من عثرتهم ولا ينقصهم الا قيادات مخلصة لاوطانها فلن يخدم وطنه من تصدى للتكامل العربي ولن يخدم وطنه من تخلى عن التعاون الإسلامي ولن يخدم وطنه من تنكر للإنسانية..