تاريخ النشر: 2020-06-24 | 16:22
تاريخ النشر: 2020-06-24 | 16:22
أجل لا بدّ من تلك العودة... لا بدّ لهذا القلم أن يصدحَ ويعزفّ على أوتارِ القلوب فيجعل من خلجاتها لحنًا تذوب فيه النّفوس، ذلك كي لا نعيش أجساداً بلا أرواح ، أو قلوباً تنبض بينَ الحنايا دون حبّ، فبعد أن أخذ منّا الفتور ما أخذ، وبعد أن ألمّ بنا سبات بلغ مداه، قلنا أيّها الليل ألا انجلِ ، واطوِ الأسى وألقه حيثُ تنتهي...
ففي صمتِ ذلك الليل وخلوته وسكينته وهدوئه قابع بين الزّوايا اجتاحتني موجة من الدّفْء، وفيض من الخواطر الجميلة التي أخذت تنبعث من ذاكرة أعدّت للنسيان فأخفقت، لتقتلعَ منها تلك الجراحات المنغرسة في خفايا القلب وتستبدل بها الأحلام الواعدة... وراودتني الأفكار وتناوبتني إلى أن أغرتني فالتقطت القلم، قلمي الحرّ الطّليق لأحلّق عالياً في السّماء، وأبلغ به متن السّطور وأبثّ الومضات ومضة على ومضة، قلت: أجل، اكتب أيّها الصّديق الرّفيق، اكتب لكلّ لحظةٍ نسيتُ فيها نفسي في دروبِ الحياةِ ومضة، ذلك ليهاجرَ الحزن العميق وينقضي من العمرِ العمر الوجيع... اكتب لمن سُلبت منه نعمة الأمن والأمان، ضاعت وضلّت الطّريق في غياهب الصّحراء ... وأردفتُ قائلةً: سأكتب بكَ للفرح، وبكَ سأبحث عن سعادتي في حلّتها القشيبة، لتبتهجَ قلوبنا وتشع وتزهر ونعانق السّحاب ونستمطرها بسخاء، حتّى لو كانت في الجوّ شتاتا أو في الأرض بين الأنقاض، فالدّليل إلى قلوبِنا نبضها المفعم بالحبّ، سأملي عليك يا قلمي ، لِتخطّ أروع دروس الحياة التي وهبني إياها الألم قبلَ أن ينقضي، ستخطّ بإملائي ذكرياتٍ لأصعب مواقف ذرفت فيها الدّموع حرّى، سأكتب تاريخك فيّ حياتي، سنحتفي معاً بذاك اليوم الذي كبرتُ فيه وأصبحتَ أنت رفيقي ومدادك نبضي، وما كنتُ وما ينبغي لي أن أجعلَ تلك اللحظات تمرّ بنا مرّ السّحاب... لحظات يوم أشعلتَ فيّ رغبتي بالكتابة، سأجعل بكَ ولك تلكَ الذكريات كلمات يانعة نابضة، بل معيناً من الحبّ والعطاء لا ينضب، تلك لحظات... ومضات... نبضات... همسات... آلت فرحا وبِشْراً ... سأنسى كلّ تناقضات الحياة ومناكفاتها... سأخرج من ذكريات الخسارة... لتزهوَ نفسي بلحظاتِ الفوز... سأكتبُ عن كلِّ يومٍ مرّ في حياتي كأنّه ليلةُ حبّ... سأكتب لأجعل لنفسي روحاً متوهجة نابضة بالحبّ والفرح والسّعادة... سيشرق فيّ وجه الصّباح ... ستشرق فيّ شمس عدل من رحمِ الظّلام... قلمي ما أجملَ الغوصَ بك في بحور النّفس، حيث الكشف العظيم عن درر وكنوز كامنة في دواخلنا، هي سلاحنا الخفيّ في جَبه ما يعترضنا من محن وعوادٍ، سأكونُ فخورة بذلك اليوم الذي عشت فيه كما ينبغي... سأكتبُ، لأحررَ أحلامي من تلك المخاوفِ التي تعتري نفسي الحائرة... سأكتبُ للمحبّة التي نحن في أمسّ الحاجة لها في زمن ضاع الحبّ فيه ولم نعرفْ له درباً وعنواناً... وها أنا ذا اليوم أبصر الطريق الآمن إليه... أجل، سأبحثُ عن كلّ ما يجعلني فخورة بيومي وقد عشتُ فيه كما ينبغي ... سأكتبُ عن بحثي بينَ أنقاضِ الليالي عن أملٍ... عنْ بسمة مفقودة خنقها الزّمان... سأكتبُ كيفَ نجحت فوجدتها... سأكتبُ لأكونَ ذلك الإناء الزّاخر بالفكر والثّقافة والإبداع... فقد عدتُ والعود أحمد ... ما أجمل العودةَ للنفسِ والقلمِ والقرطاسِ والقلب...