لم يعد النقاش الدولي حول إدراج الحرس الثوري الإيراني في قوائم التنظيمات الإرهابية قضية قانونية أو سياسية فحسب، بل أصبح جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي والدولي. فالتجارب خلال العقود الماضية أثبتت أن الحرس لم يعد مجرد مؤسسة عسكرية تتبع الدولة، وإنما تحول إلى مركز القرار الفعلي في ملفات الأمن، والاقتصاد، والسياسة الخارجية، وإدارة الميليشيات التابعة للنظام في المنطقة. ولذلك فإن أي خطوة تستهدف الحرس تمثل في حقيقتها استهدافاً للأداة الرئيسية التي يستخدمها النظام للحفاظ على سلطته في الداخل وتوسيع نفوذه في الخارج.
وتعكس الصحف الإيرانية نفسها حجم القلق الذي يعيشه النظام بعد الإجراءات البريطانية الأخيرة ضد الحرس الثوري، وما تبعها من تصاعد الدعوات داخل أوروبا لاتخاذ خطوات مماثلة. ويكشف هذا الاهتمام الإعلامي أن طهران تدرك أن القضية لم تعد مرتبطة بدولة واحدة، بل باتت تمثل اتجاهاً دولياً متنامياً ينظر إلى الحرس بوصفه مسؤولاً عن جانب كبير من التوترات الإقليمية، وعن دعم الجماعات المسلحة، وتهديد أمن الملاحة الدولية، ولا سيما في الخليج والبحر الأحمر.
لكن أهمية إدراج الحرس لا تقتصر على نشاطه خارج إيران، لأن دوره داخل البلاد لا يقل خطورة. فقد أصبح الحرس خلال السنوات الماضية أكبر إمبراطورية اقتصادية في إيران، يسيطر على قطاعات الطاقة، والإنشاءات، والموانئ، والاتصالات، والمؤسسات المالية، الأمر الذي أدى إلى تراجع المنافسة، واتساع الفساد، وإضعاف الاقتصاد الوطني. ولهذا فإن الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها الإيرانيون اليوم لا يمكن فصلها عن تمدد الحرس داخل مفاصل الدولة وسيطرته على جزء كبير من الثروة الوطنية.
ومن جهة أخرى، فإن الحرس هو المسؤول الأول عن تنفيذ سياسات القمع الداخلي. فمن خلال أجهزته الأمنية وقوات التعبئة، لعب الدور الرئيسي في قمع الاحتجاجات الشعبية، واعتقال آلاف المتظاهرين، وملاحقة الناشطين، وهو ما جعل اسمه يرتبط في تقارير المنظمات الدولية بانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان. ولذلك فإن إدراجه على قوائم الإرهاب يحمل أيضاً بعداً حقوقياً، لأنه يوجه رسالة بأن الإفلات من العقاب لم يعد أمراً مضموناً.
غير أن هذه الخطوة، على أهميتها، لا تكفي وحدها لإحداث التغيير المطلوب. فالتجربة أثبتت أن النظام استطاع في مراحل سابقة الالتفاف على كثير من العقوبات، مستفيداً من سياسة المساومة التي انتهجتها بعض الحكومات الغربية. ولذلك فإن فعالية إدراج الحرس تزداد عندما تقترن بسياسة واضحة تمنع تمويل شبكاته الاقتصادية، وتحد من تحركات قياداته، وتغلق المنافذ التي يستخدمها لتوسيع نفوذه داخل المنطقة.
وفي هذا الإطار، تؤكد المقاومة الإيرانية أن إدراج الحرس الثوري يجب أن يكون جزءاً من استراتيجية أشمل تقوم على الاعتراف بحق الشعب الإيراني في مقاومة الاستبداد، ودعم تطلعاته إلى إقامة جمهورية ديمقراطية، لأن المشكلة لا تكمن في مؤسسة واحدة فقط، بل في منظومة سياسية جعلت من الحرس أداتها الرئيسية للبقاء.
كما أن وحدات المقاومة داخل إيران تواصل كشف العلاقة بين القمع الداخلي والتدخلات الخارجية، موضحة أن الأموال التي ينفقها الحرس على الحروب والميليشيات كان يمكن أن تُخصص لتحسين معيشة المواطنين، وتوفير فرص العمل، ومعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بالبلاد.
إن إدراج الحرس الثوري على قوائم الإرهاب يمثل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، لكنه ليس نهاية الطريق. فالهدف الحقيقي يجب أن يكون حرمان النظام من أهم أدوات القمع والتوسع، وتهيئة الظروف التي تمكن الشعب الإيراني من تقرير مستقبله بنفسه. وعندها فقط يمكن الحديث عن استقرار دائم في إيران والمنطقة، لأن السلام الحقيقي يبدأ عندما تتوقف مؤسسات القمع عن التحكم في مصير الدولة.