أصبح التحريض ومهاجمة أبو مازن وسلطته الشغل الشاغل لرئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" وحكومته، هذه الضجة والحملة على السلطة وصلت إلى درجة الهستيريا، حين توجهت السلطة الفلسطينية إلى مجلس الأمن أولاً، لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وإقامة الدولة الفلسطينية، وبعد إفشال هذا المطلب، توجهت السلطة الفلسطينية إلى المحكمة الجنائية في "لاهاي" لمحاسبة إسرائيل، وخاصة لعدوانها على غزة وما أطلقت عليه "الصخرة الصلبة"، كذلك ضد إقامة المستوطنات في الأراضي المحتلة، مما أفقد الحكومة الإسرائيلية صوابها، فما توقع نتنياهو؟ هل توقع أن على الفلسطينيين أن لا يعملوا شيئاً ويكرسوا الاحتلال؟ وهل أبقت الحكومة الإسرائيلية فرصة مهما كانت صغيرة، لتعطي الأمل للشعب الفلسطيني بحل قضيته؟ في الوقت الذي يعلنون فيه جهاراً عن ضم الأراضي الفلسطينية للسيادة الإسرائيلية، والدعوة لإقامة إسرائيل التوراتية من البحر إلى النهر، في ظل استمرار القمع والقتل والمعاناة بكافة أشكالها للشعب الفلسطيني.
إن إسرائيل التي تعتمد على القوة، والمزيد من القوة، في عربدتها وترسيخ احتلالها، تجاهلت القانون الدولي، وقرارات الشرعية الدولية، والاتفاقات الموقعة مع الفلسطينيين، مما دفع الفلسطينيين للتوجه إلى محكمة جرائم الحرب لتحقيق العدالة، وهذا أفقد القيادة الإسرائيلية صوابها، فهذا الجنون الإسرائيلي هو اعتراف واضح، ودليل قاطع، على إدراكها بأنها ترتكب جرائم حرب ضد الفلسطينيين، وإذا كان غير ذلك، فلماذا تخشى إسرائيل "لاهاي"؟
مؤخرا بدأت محكمة لاهاي التحقيق بجرائم الاحتلال الإسرائيلي في غزة، و"نتنياهو" المعروف بخدعه وتحريضه على الشعب الفلسطيني، حاول الربط بين الفلسطينيين والإسلام المتطرف، مع الاعتداء الدموي الذي وقع في باريس، ويحاول دفع الجهات المعتدلة في العالم العربي، على حد قوله، لإرغام الفلسطينيين على القبول بالتسوية، وكأن العقبة من الفلسطينيين، بينما كشفت جريدة "هآرتس 8-1-2015"، ما نسب إلى "إيهود باراك"، رئيس الحكومة في عامي 1999-2000، عن محادثات أجراها مع "بنيامين نتنياهو" حول حل القضية الفلسطينية، لكن "نتنياهو" رفض التقدم في المفاوضات، من دون موافقة "ليبرمان" المعارض أصلاً، متخذاً منه ذريعة-على حد قول "باراك"- واعترض "باراك" على طلب "نتنياهو" من الفلسطينيين الاعتراف بيهودية الدولة، وأن الأمر الحاسم لدى "نتنياهو"-حسب "باراك"-بقاؤه في السلطة، ويرى "باراك" أنه لا يوجد حل باستثناء ذلك الحل الذي كان مطروحاً على الطاولة في كامب ديفيد 2000، أو مسار الرئيس "كلينتون"، أو أنابوليس، في إشارة إلى حل الدولتين.
في عهد حكومة "أولمرت"، تقدمت المفاوضات في معظم الملفات، بما فيها الأمن والحدود وحتى القدس، لكن اضطرار "أولمرت" للاستقالة جمد ملف المفاوضات، وكُلفت "تسيفي ليفني" بتشكيل حكومة جديدة، فلم تنجح، وكانت النقاط المختلف عليها مع الأحزاب التي تفاوضت معها، للمشاركة في حكومتها، ملفات القدس والاستيطان، ففشلت في تشكيل الحكومة، وجرت انتخابات جديدة، أوصلت "نتنياهو" إلى الحكم، مع الأحزاب اليمينية الأخرى، التي أخذت تتسابق بالتطرف، وإغلاق فرص السلام، رغم أن "نتنياهو" هو الذي أعلن عن حل الدولتين، لكنه عملياً تراجع، فالخارطة الحزبية الإسرائيلية، وعدم وجود قدرة أو إرادة أميركية للضغط من أجل تحقيق السلام، أبقى الباب الوحيد أمام الفلسطينيين هو التوجه إلى "لاهاي"، التي وزعت بياناً جاء فيه:" أن النيابة العامة للمحكمة ستبدأ بإجراء تحقيقات أولية، فيما يتعلق بجرائم الحرب، التي نُفذت في الضفة الغربية، وفي قطاع غزة"، وهذه هي الخطوة الرسمية الأولى المتبعة لمواجهة الاتهامات التي وجهت لإسرائيل بارتكابها جرائم حرب، وجاء في بيان المحكمة أيضاً: لقد بدأ النائب العام "بانو بنسورة"، بعملية فحص أولية، فيما يتعلق بالوضع في فلسطين، في أعقاب انضمام حكومة فلسطين، إلى ميثاق روما في الثاني من كانون الثاني الماضي، وهذه التحقيقات، إجراء رسمي لفحص المعلومات المتوفرة بغية تحديد فيما إذا كان هناك أساس للشروع باتهام إسرائيل بجرائم الحرب.
إن من بين ردود الفعل، على طلب الفلسطينيين، البحث في جرائم الحرب الإسرائيلية، الاتصال الذي أجراه "نتنياهو" مع وزير الخارجية الأميركي "جون كيري":" أوقفوا قرار محكمة الجنايات الدولية المتعلق بفحص تنفيذ جرائم حرب في الضفة وغزة"، ووزارة الخارجية الأميركية أصدرت بياناً ضد قرار الفحص من قبل محكمة "لاهاي"، وأعضاء من الكونغرس الأميركي، بادروا بطلب وقف الدعم الأميركي للفلسطينيين، والولايات المتحدة نددت وقالت:" لا يعقل أن يتم التحقيق مع دولة سقطت عليها مئات الصواريخ، ونددت بالقرار، فيما اعتبر "نتنياهو" قرار "لاهاي" فضيحة وربط بين قيام المخربين بذبح اليهود في فرنسا، لتوقف النيابة العامة في المحكمة الدولية عملية التحقيق ضد الدولة اليهودية، وواشنطن محامية الدفاع الدائمة عن جرائم إسرائيل، أصدرت خارجيتها بياناً أكدت أن هذه مأساة سافرة أن يجري التحقيق مع إسرائيل التي تعرضت لآلاف الصواريخ على مواطنيها، وأن عملية التحقيق غير ممكنة لأن فلسطين ليست دولة، وأن الإدارة الأميركية ستعمل ضد هذا القرار، مع أن جريدة "يديعوت احرونوت 29/12/2014" كشفت أن إسرائيل تلقت (87) توبيخاً وشجباً من الولايات المتحدة، غالبيتها تتعلق بالبناء الاستيطاني، وقتل مدنيين خلال حرب "الصخرة الصلبة"، وقصف مدارس غزة، بقولها أن هذا غير مقبول ولا يمكن الدفاع عنه، حسب التوبيخات الأميركية، لكنها عملياً في حملتها على محكمة "لاهاي"، فهي تدافع عن الاعتداءات الإسرائيلية، وعن استيطانها.
الموقف الأميركي في دفاعه وتبنيه لسياسة الاحتلال الإسرائيلي القمعية، دفع بالمسؤولين الإسرائيليين لمزيد من التطاول، فوزير الخارجية "ليبرمان" أعلن بأن إسرائيل ستعمل على حل المحكمة الجنائية، والتخلص من الرئيس"محمود عباس"، الذي تجاوز الخط الأحمر، ودعا لتحويل أموال الضرائب فقط بعد رحيله، متهماً "أبو مازن" بأنه عقبة في وجه السلام، بينما طرح "ليبرمان" خطة سلام لا أحد يقبل بها، فمن هو "ليبرمان" كي يُلغي محكمة جرائم الحرب الدولية، و"نتنياهو" قرر شن حملة إعلامية هجومية ضد المحكمة، رغم توصية خبراء الخارجية الإسرائيلية بعدم المس بها، لكنه يطالب العالم بالتوقف عن تمويل المحكمة، و"نتنياهو" الذي اعتبر بأن قرار المحكمة البدء بالتحقيق ضد إسرائيل سخيف ومخزي، وأنه نفاق، وأن إسرائيل لن تتعاون مع التحقيقات، وحسب خبراء ففي مثل هذه الحالة، فإن خسارة إسرائيل ستكون أكبر، ومهما كان الأمر، فإن القرار الفلسطيني بالانضمام إلى محكمة جرائم الحرب، كان لابد منه، ويعتبر صفعة في وجه إسرائيل والولايات المتحدة، وانتصاراً على التعنت الإسرائيلي، أما الوزير "نفتالي بينت"، قام بحملة شديدة على "عباس"، واصفاً إياه بكبير المحرضين على الإرهاب، ومتنكر للمحارق النازية، وشريك لحماس في الحكومة، متهماً "عباس بتوجيه العمليات الإرهابية، وأن الفلسطينيين هم الذين يرتكبون جرائم الحرب ومنظماتهم الإرهابية.
إن هذا الهلع الإسرائيلي، لا يعبر عن ثقة إسرائيل بنفسها من المواضيع المطروحة، بل أنها في هيجان، تعرف ما ينتظرها، وجريدة "هآرتس 11/1/2015"، نقلت عن "ايهود باراك" قوله: أن إسرائيل قد تجد نفسها في عزلة مؤلمة للغاية، مع تطور المقاطعة الدولية عليها، إذا استمرت بهذه السياسة، وفي وثيقة داخلية لوزارة الخارجية الإسرائيلية، حذرت فيها رئيس الحكومة، من اتساع ظاهرة المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل، على ضوء الجمود السياسي بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، ومقاطعة أوروبا لبضائع ومنتوجات المستوطنات.
ذكرنا في البداية، بأن المحكمة الدولية أصبحت الشغل الشاغل لإسرائيل، لكن هناك مشاغل أخرى، وفي كل يوم يوجد جديد، هناك حدثاً جديداً، فالبيت الأبيض غاضب على"نتنياهو" الذي نسق زيارة له ليلقي خطاباً أمام الكونغرس الأميركي، من وراء ظهر الرئيس "أوباما"، قبل أسبوعين من الانتخابات للكنيست في شهر آذار القادم، وحسب وسائل الإعلام الإسرائيلية، فإن "نتيناهو" عقد صفقة مع الحزب الجمهوري المسيطر على الكونغرس ومجلس الشيوخ لهذه الدعوة، لمساعدة "نتنياهو" في الانتخابات حيث أنه ساعدهم في الانتخابات الأميركية الماضية، فدعوة "نتنياهو" مخالفة للإجراءات البروتوكولية، والمعارضة الإسرائيلية تحتج على هذه الدعوة، التي هي عبارة عن زيارة وخطاب انتخابي أمام الكونغرس، إلا أن الرئيس أوباما ووزير خارجيته كيري رفضا استقبال "نتنياهو"، وأن "نتنياهو" سيلقي خطاباً عن الملف النووي الإيراني، في معارضته لموقف الرئيس الأميركي، وقد اجتمع رئيس الموساد الإسرائيلي مع الوفد الأميركي الذي زار إسرائيل مؤخراً، وأكد له أن فرض عقوبات جديدة على إيران، سيمس بالمفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني، وهذه الرسالة خلافاً لموقف رئيس الحكومة "نتنياهو"، أما الشغل الشاغل الآخر، فإنه العدوان الإسرائيلي على حزب الله في الجولان، حيث ألمح أحد الجنرالات هو يوآف جلنت- الذي كان مرشحاً لرئاسة أركان الجيش الإسرائيلي- أن هذه الضربة مفتعلة، هدفها الانتخابات، فالمعركة الانتخابية تأخذ في معظمها طابعاً اجتماعياً واقتصادياً، وهذا ليس في مصلحة "نتنياهو" وحزبه، الذي يتحمل المسؤولية عن حالة الفقر، فمن مصلحة "نتنياهو"، تحويل المعركة والنقاش إلى سياسي وأمني، وهذا يصب في مصلحته الانتخابية، إضافة إلى الخطاب الذي سيلقيه في الكونغرس الأميركي.