سابدأ من حيث انتهى المشهد، أو لأقل بأن بركان خامدا تجدد ثورانه، فما شهده العالم كان طوفان بشري من المغرب يدخل مدينتي سبته و مليلية، المغربيين الاسبانيتين، الأمر الذي أعاد للسطح عصرا استعماريا أوروبيا للوطن العربي من المحيط للخليج.
بعد ما يزيد على مئة عام منذ احتلال الجزائر عام 1830 إلى استقلال جزر القمر في العام 1975، اخذت الدول الوطنية العربية شكلها التي رسمته لها الدول الأوروبية التي كانت تستعمرها، فحددت الحدود السياسية التي ستحدد العلاقات بين هذه الدول مستقبلا.
لم يشأ الاستعمار أن يخرج دون أن يترك أثرا ، و بؤرا لصراع و نزاع الجوار الذي يبقي تلك الدول في حاجتها و تحت رحمتها، دون مراعاة للحدود الطبيعية، أو طبيعية السكان الأصليين في تلك المناطق، أو الثقافة السائدة في هذه القطعة الجغرافية او تلك، فكانت سبته و مليلية اللتان اخذتهما الإسبانيا و لم تتنازل عنهما و تعيدهما للمغرب، على الرغم من اختلاف ثقافة البلدين عن ثقافة الدولة الاسبانية ، و على الرغم من اختلاف الجغرافيا التي ترسمها الحدود الطبيعية البحرية، كذلك الأمر بالنسبة للجزر الإماراتية و إقليم الأحواز العربية التي تسيطر عليها ايران، و لواء اسكندرون السوري الذي اقتطعته تركيا، بالإضافة إلى التداخلات في خطوط ترسيم الحدود بين كثير من الدول.
تاريخيا لم تكن الدولة بمفهومها الوطني موجودة في وطننا العربي الذي كان يعيش تحت الحكم الإسلامي كدولة واحدة موحدة، و ما كان يطلق عليه خلال تلك الفترة إنما هو مسميات إقليمية، تحددها غالبا الجغرافيا الطبيعية ، فكانت الجزيرة العربية، و بلاد الشام ، و المغرب العربي، و العراق و مصر، بكل ما حوت تلك الأقاليم من ديانات، و أقليات، و تنوع جغرافي، حتى دخل الاستعمار، و ادخل معه كل أساليب الغزو الفكري و الثقافي و العسكري، و سياسة فرق تسد.
سياسة فرق تسد هذه، كانت الأساس المعتمد في السيطرة، و استمرار السيطرة، التي لعبت على وتر النقص الذي يعاني منه العربي أمام الأوروبي، و استغلت الظلم العثماني الذي وقع على العربي المهمش إبان أواخر الحكم العثماني ، و اذكت صبغة الأنا على العربي، و اغرته بالوطنية و اللادينية في الحكم، و من ثم لعبت على وتر أقل شمولية و هو وتر الأقليات، و ما يمكن أن يحققه الإنسان بهذه الطريقة مسترشدا بالحالة الأوروبية، ليسير قادة الرأي في تلك البلاد سيرا على خطة محتليهم و مستعمريهم، فكانت سايكوسبيكو، و موتمر لوزان، و مؤتمر سان ريمو ، و وعد بلفور، و السيطرة المباشرة على الخليج و المغرب العربي.
منذ ذلك الحين، و بعد تلك السيطرة، حدد الأجنبي مناطق حكمة، و الحدود التي يسيطر عليها ليصبح ما يرسمه من حدود _أساسها التقسيم بين دوله_ إلى ما يشبه حدودا رسمية بين أبناء الدولة الواحدة، و الإقليم الواحد، و الدين الواحد، و بعد الانسحاب اعطي الاستعمار، و دول الاستعمار امتياز ترسيم تلك الحدود من جديد ليضع فيها بذور الشقاق الدائم بين تلك الدول، ليس فقط من خلال صنع تداخلات في الأراضي، بل تبعتها تداخلات في التصنيفات البشرية كالاقليات، و هذا يتضح جليا على سبيل المثال لا للحصر في الأكراد الذين ينتشرون بين العراق و سوريا و تركيا و يطالبون بكيان خاص بهم.
إن مثل هذه الاقتطاعات، و على الرغم منا يسود بين الدول من علاقات حسن جوار، يبقي الحبل متروكة على الغارب حتى تحين الفرصة لإعادة فتحها من جديد، و الأخطر من ذلك أن هذه الاقتطاعات من الممكن أن تكون سببا مباشرا للحرب بين دول مجاورة تغذيها رغبات دور استعمارية كبرى، لتكون حروب بأثر تحرير رجعي بمساندة دول استعمارية حديثة ليس لها من الأمر شيئ إلا أنها ترى أن الظروف و المستجدات الدولية الجديدة فرضت أن تكون لها مصلحة في أن تتواجد على أرض هذه الدولة أو تلك.
هذه التقسيمات، أو الاقتطاعات، تبقى دائما بمثابة النار الملتهبة تحت الرماد التي ما تلبث أن يشتد أوارها اذا أضاف إليها أحدهم شيئا من الوقود، و ربما تكون سببا مباشرا لتطور الصراعات و الحروب في هذه المنطقة أو تلك.
إن بقاء مثل هذه التقسيمات ينذر بمزيد من الصراعات، و بمزيد من التقسيمات لتقسيم المُقَسَّم، الا ان يعود الوطن العربي ليجتنع مرة أخرى على منظور وحدوي أساسه العدل في الرعية، و النأي عن العنصرية التي تزيد من حدة هذا الانقسام.