تاريخ النشر: 2023-05-24 | 19:23
تاريخ النشر: 2023-05-24 | 19:23
قبل الحديث عن فوز اردوغان او عدم فوزه يجب ان يكون واضحا ان الامتحان الاصعب امام اردوغان ليس هذه الانتخابات انما اعادة ترميم علاقاته بالاقليم والاقلاع تمام عن التدخل السلبي في الشؤون العربية حينذاك يمكن النظر لفوزه بعين الاهمية في الانتخابات.
لم تكن تلك الطفلة التي تحمل الحلواء والعصير تنتظر ساعات على طريق موكب الرئيس وتصر إن تقدم له ما صنعت أمها وهي تبكي إلا تعبيرا عميقا عن تحول في المشاعر الشعبية والتوجهات العامة لدى شعب فرضت عليه اللائكية المتوحشة والقطيعة مع الانتماء الحضاري والتاريخي عقودا طويلة.. لم تكن عملية الانتخابات واحدة من مشاهد الديمقراطية العديدة فلقد كانت مشحونة بعواطف وانفعالات نفسية بلغت حد البكاء والهتافات المحتدمة وصلت ذروتها عندما ذهب أردوغان مختتما حملته الانتخابية إلى مسجد أيا صوفيا مستقبلا بالتهليل والتكبير كأنه في يوم عيد أضحى.. ذلك كله مع مظاهر الحجاب التي احتشدت في مهرجانات العدالة والتنمية وعلى عكسها تماما في المهرجانات المضادة حيث الإصرار على مظاهر الليبرالية والتحرر من القيم الإسلامية.. كل ذلك يعني ان المسألة ليست انتخابات فقط إنما هي تحدد انتماء وتوجه من جديد.. كما أن الانتخابات تعني بوضوح ان الأتراك قدموا أرقى نموذج ديمقراطي في منطقة موبوءة بسطوة العسكر وارداته كما في كثير من دولنا او الطائفية كما في لبنان والعراق او داخل الاجتهاد الديني المحدد او السياسي المعين كما في إيران حيث لا خروج عن شروط مسبقة وقيود صارمة!! ويمكننا الجزم بانها تجربة سياسية جديدة في عالمنا العربي والإسلامي.
عملية معقدة شبه مستحيلة:
منذ بداية الانتخابات التركية وانا اتوقع إما فوز اردوغان وفتحه مرحلة جديدة سيكون لها ملامح واضحة تتعلق بهوية البلاد وانتمائها أو اعتلائه درجات المقصلة كما حدث مع عدنان مندرايس وانتكاسة كبيرة لمشروع عودة الهوية.. فهذه ليست انتخابات عادية كما هي في كثير من البلاد لاننا لسنا في بلد عادي نحن في بلد تشده ابعاده الجيوسياسية الى مايشبه التناقض الحاد الممزق.. انها عملية ميلاد تبدو قصرية لتركيا المختبئة في وجدان قطاعات واسعة من الشعب تتقلص شيئا فشيئا بفعل عقود طويلة تتقادم عليها وبفعل وقوعها تحت وطأة لوبيات الضغط والقوة في التعليم والاعلام والاقتصاد والسياسة وهنا لابد من التحليل المنطقي والعلمي فالمسألة لا تخضع لمشاعر ولا لمواقف انما لحسابات دقيقة..
اعرف ان اتجاهات الثقافة في الشعب التركي الان مشتتة رغم كل ما بذله اردوغان وحزبه.. وهنا لابد من الإسراع لتسجيل ملاحظة ان الوضع الثقافي عشية سقوط الخلافة كان أفضل لصالح منه الان على صعيد المشاعر الثقافية والأصالة و كذلك يمكن القول ان توجه الشعب ثقافيا كان ايام عدنان مندرايس الشهيد العظيم كانت أفضل من الآن على اعتبار انه اقرب زمانيا الى عهد الخلافة العثمانية.. بمعنى واضح ان الحاضنة الشعبية لخيار أردوغان اقل محظوظية منه في وقت السلطان عبدالحميد أو عدنان مندرايس وهذا يدفعنا الى القول بلا تردد ان إدارة "العدالة والتنمية" للعملية السياسية الداخلية دقيقة ونابهة وعبقرية..
وهنا لابد من الإشارة الى التاريخ المعاصر لتركيا التي بدأت رحلتها نحو الغرب وشريكة له في أحلاف إستراتيجية أمنية وسياسية بعد سقوط الخلافة العثمانية ولعل التكرار مفيد ان نعيد الى الأذهان ارتباط سقوط الخلافة باتفاقية سايكس-بيكو ووعد بلفور في الأعوام المتقاربة حيث لم يكن ممكنا حصول احد هذه الوقائع دون حدوث الواقعتين الأخريين.. وهنا من جديد تبدو الإشارة ضرورية الى طبيعة الأهداف الاستعمارية في عالمنا الإسلامي المتمثلة بإسقاط كياننا السياسي وتجزئة بلداننا وانتزاع فلسطين من قلب امتنا وجغرافيتها..
وعلى هذا يكون الصدام بأحد هذه الوقائع إنما هو صدام بالجملة الاستعمارية كلها فمن يتصدى للتجزئة هو في حقيقة الأمر يتصدي للكيان الصهيوني ولسقوط كياننا السياسي وكذلك فان المواجهة ضد الكيان الصهيوني تعزز الجبهتين الأخريين..
من هنا كانت صعوبة المحاولات على أي جبهة.. من هنا تمت محاربة أي محاولة للوحدة بين بلداننا العربية وتم تحطيم دولنا التي تحمل بعدا وحدويا كالعراق وسورية كما تم تكسير المقاومة الفلسطينية وتشتيتها، وتحطيم أي قوة إقليمية تتبنى مقاومة الكيان الصهيوني.. وفي مقابل ذلك جهد المشروع الاستعماري على تعزيز الدولة القطرية واختراق ثقافتها وابراز النخب الليبرالية والانفصالية داخلها وربطها بالتبعية الاقتصادية والسياسية.
في هذا المناخ يجب ان نعرف صعوبة تفكيك الجملة الاستعمارية وكيف يمكن مواجهتها جملة او واحدة دون اخرى.. وحتى هذه اللحظات تبين لنا كم هي محاولاتنا منكوبة مهزومة تنتهي دوما بالإخفاق بصورة مأساوية.. كان أحد أنمذجتها ما واجهه عدنان مندرايس وهواري بومدين وصدام حسين والقذافي وياسر عرفات..
أصبحت النتيجة واضحة مستقرة في الأذهان كأحد أهم شروط اللعبة: انه سيكون الموت بالسم او الشنق او القتل بالرصاص نتيجة حتمية لكل من اقترب من عناصر الجملة الاستعمارية"الكيان الصهيوني والتجزئة والتبعية" لتغييرها والتصدي لها.
لم يكن سهلا اختراق هذه المنظومة القاسية المزودة بالأمن والإعلام والسياسة والمال والتي أصبحت تشكل سدا منيعا أمام أي محاولة للتحرر من الثالوث الشيطاني في هذا السياق يجب أن نتأمل تجربة العدالة والتنمية التركية ومحاولتها الناجحة حتى الآن في اختراق الحصار العنيف..
ومن هنا تأتي أهمية التجربة مع كل ما يمكن تسجيله من سلوكات سياسية لا يستسيغها المواطن العربي ويرفضها الوعي الجمعي كما حصل في ملف سورية وملابساته الدامية.
وجدت هذه المجموعة من الشباب والمفكرين والقادة في "العدالة والتنمية" انه لابد ان تسلك دربا في الأوحال يبدأ من تجميدها للصراع الخارجي مع القوى الغربية ومرتكزاتها في المنطقة..
بل يبدأ من التأكيد بمناسبة وغير مناسبة على علاقات مثالية مع تلك القوى ومرتكزاتها.. لم يكن هذا التطمين مهما كثيرا للشارع التركي بمقدار أهميته لتجنب مؤامرات عاصفة من قبل القوى الاستعمارية مع امتداداتها في تركيا قد تتعرض لها العدالة والتنمية وفي هذا الطريق الوحل أصبح العمل مكثفا وعميقا لتجفيف منابع القاذورات في المجتمع والسياسة والاقتصاد والثقافة.. فنشروا مئات وآلاف المدارس القرآنية وتعليم الدين في الوقت الذي اتجهوا فيه لتعزيز الاقتصاد والتقدم الصناعي والتجاري في تركيا وأصبحت تركيا ليست تركيا المهمشة عبر عشرات السنين تحت حكم الأتاتوركيين..
استطاعت العدالة والتنمية إبعاد الجيش العلماني عن مجرى الحياة السياسية وإسقاط مهمته في حماية الخيار اللائكي للدولة حيث كان دوره المستمر الانقضاض على الديمقراطية كلما أحس خطرا على اللائكية، واستطاعت العدالة و التنمية تعزيز العمل الديمقراطي والتداول السلمي على السلطة في البرلمان والرئاسة والبلديات وأظهرت حرصا مبالغا فيه على شفافية الانتخابات وسلامة إجرائها في جو صحي..
في هذه المهمة المعقدة والصعبة كان على العدالة والتنمية إخفاء كثير من تصوراتها الفكرية والثقافية والتقدم بلغة الديمقراطية لافتكاك مواقع القرار والتأثير واستطاعت بالفعل ان تحقق أهدافا كبيرة على هذا الصعيد في حمى التهديد من قبل قوى المعارضة بان مصير اردوغان لن يكون أفضل من السلطان عبدالحميد او عدنان مندرايس.. لقد كانت العملية محفوفة بالمخاطر وهي ان استطاعت الآن التقدم خطوات حاسمة في تثبيت خيار الانتماء والهوية وقد تكشفت هويتها عن جوهرها فان جولات خطيرة في انتظارها سيكون للدوائر الاستعمارية دور رئيسي في التصدي لها ولكن قد توفر الأزمة الأوكرانية فرصة هدنة بين القوى الاستعمارية وتركيا.
الموقف الغربي من تجربة العدالة:
لقد واجهت وسائل الإعلام الغربية المشهورة صعود نجم أردوغان والعدالة بمزيد من التوجس والتحريض وصولا الى الشيطنة كما حصل في وسائل إعلام دول اسكندنافية حيث تم حرق القران الكريم امام السفارات التركية وتم نشر صور مسيئة للرئيس التركي ودول اوربية وصحف أمريكية الى درجة تدخل أمريكي سافر في مجريات الانتخابات كما حدث في خطاب الرئيس الأمريكي والصحف الأمريكية ولقاءات السفير الأمريكي مع خصوم اردوغان.
لقد سبق للرئيس الأمريكي ترمب بان وجه رسائل تحذير وتهديد لتركيا بتدمير اقتصادها الأمر الذي يعني ان الملف التركي موجود على طاولة البحث الاستعمارية وان كان لظروف دولية وقع تأجيل البت فيه فهو سيظل محل النقاش والتداول بين قادة الدوائر الاستعمارية فالخصومة هنا تتجاوز المصالح الآنية انها خصومة ترتقي الى الصراع الوجودي مع حضارة ظنت الدوائر الاستعمارية أنها انتهت منها مع تكريس التجزئة وإسقاط الخلافة واغتصاب فلسطين.
ورغم ان إدارة أردوغان لم تظهر نية بمعاداة إسرائيل وهي حجر ارتكاز التقرب للموقف الغربي إلا ان صناع القرار والرأي في الدوائر الاستعمارية يعرفون جيدا كيف يتم تطور الأفكار والوقائع الى أين سينتهي بتركيا بعد ان يكون أردوغان خلصها من كوابح محلية تجمد حركتها نحو طبيعة اتجاهها التاريخي الحضاري.
ماذا يعني فوز اردوغان:
واضح أن خصوم اردوغان يستندون الى تراث كبير من العداوة للاصالة والانتماء الحضاري وهذه أخطر مناطق خسرانهم وهي اعلان مؤكد لهزيمتهم المتتالية كما أن ادارتهم للانتخابات اظهرت هشاشة بنيتهم الفكرية والسياسية وعدم صلابة جبهتهم التحالفية حيث يكررون شعارات تقليدية ومسكونين بتوحش الليبرالية واللائكية ومن هنا يمكن القول إن فوز أردوغان يعني ان تركيا تتحرك بثبات لكي تستعيد روحها العثمانية واتجاهها الحضاري وانتمائها للكتلة الإسلامية الحضارية وهي بهذا تحدد انتماءها وتوجهاتها السياسية والتحالفية في العالم.
كما أن فوز أردوغان هو إعادة اعتبار لكل المحاولات المغتالة السابقة لاربكان ولعدنان مندرايس وللمجدد النورسي وللعلماء والسياسيين الذين شنقهم أتاتورك وحزبه .. ولئن كان أردوغان قد اضطر الى إخفاء عناصر هويته الثقافية لكي يجتاز الكمائن والمصائد فهو الان في حل من كثير من ذلك فلقد اكتشف الغرب توجهه وحرصه وانتماءه.. وهكذا يصبح العمل واجبا لاستعادة تركيا وجهتها وهويتها الإسلامية الحضارية وتعديل مواقفها المشينة تجاه قضايا العرب والمسلمين وعلى رأسها قضية فلسطين والموقف من الكيان الصهيوني.
فوز أردوغان رغم أخطائه السياسية الكبيرة مع جواره العربي سيوقف حملة التصعيد العنصرية من قبل اللائكيين ضد العرب لاسيما اللاجئين السوريين المظلومين
فوز اردوغان فرصة ثمينة له لتعديل موقفه تجاه إسرائيل فلن يقبل منه أبدا الاستمرار في العلاقات الإستراتيجية مع الكيان الصهيوني.
فوز اردوغان فرصة ثمينة له للانفتاح واسعا على المحيط العربي دون تدخلات في تركيبته السياسية والثقافية.
كما أن فوز اردوغان فرصة ثمينة للعرب ان يبادروا نحو رجل قوي صلب ذكي سياسي مقتدر ليبنوا معه علاقات اقتصادية وسياسية تفيد الجميع كما أنهم سيجدون في تركيا التي تنتمي لتاريخها الحضاري امتدادا متسعا لهم وهكذا نقترب من حسم جولة كبيرة من جولات الصراع الوجودي بيننا والمشروع الاستعماري.. وهكذا نصبح برؤية شمولية نقترب من معالجة واعية للملفات الرئيسية لدينا واهمها التكامل والتعاون لكي نتوجه لملف فلسطين باقتدار.. وهكذا ستظل فلسطين الهادي لسواء السبيل